في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبح الجمع بين أكثر من وظيفة واقعًا متزايد الانتشار في العديد من المجتمعات، حيث تشير بيانات حديثة إلى أن النساء أكثر ميلًا من الرجال للعمل في وظائف متعددة في الوقت نفسه، في ظل عوامل اقتصادية واجتماعية متشابكة.
وكشفت بيانات تحليلية أعدّها خبراء منصة StartFleet.io وهي أحد المنصات المهتمة بشؤون العمل والعمال، أن عام 2023 شهد ارتفاعًا ملحوظًا في عدد العاملين بأكثر من وظيفة، مع تسجيل فروقات واضحة بين الجنسين والفئات العمرية المختلفة.
وبحسب البيانات، بلغ عدد النساء العاملات في أكثر من وظيفة ضمن الفئة العمرية بين 25 و54 عامًا نحو 2.75 مليون امرأة، مقابل 2.69 مليون رجل في الفئة نفسها، ما يعكس تفوقًا طفيفًا للنساء في هذا النمط من العمل.
النساء يتقدمن في العمل متعدد الوظائف
ويبرز هذا الفارق بشكل أكبر بين الفئات العمرية الأصغر سنًا، حيث عملت نحو 439 ألف امرأة من جيل “زد” (20 إلى 24 عامًا) في أكثر من وظيفة، مقارنة بـ 261 ألف رجل في الفئة نفسها، وهو ما يشير إلى اتساع الفجوة بين الجنسين في المراحل العمرية المبكرة من الحياة المهنية.
وتُظهر البيانات أن جيل الألفية وجيل إكس (25 إلى 54 عامًا) يمثلان الشريحة الأكبر من العاملين في أكثر من وظيفة، بإجمالي يتجاوز 5.44 مليون شخص. يليهم جيل طفرة المواليد (55 إلى 64 عامًا) بنحو 1.3 مليون شخص، ثم جيل “زد” (20 إلى 24 عامًا) بنحو 700 ألف شخص.
ويعكس هذا التوزيع العمري اتساع ظاهرة العمل المتعدد لتشمل مختلف المراحل العمرية، وإن كانت أكثر حضورًا في الفئات النشطة مهنيًا.
ويرجّح محللون أن ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار فجوة الأجور بين الجنسين من أبرز العوامل التي تدفع نحو هذا الاتجاه، إذ تلجأ كثير من النساء إلى أعمال إضافية لتعويض الفجوات المالية، خصوصًا في الأسر التي يعتمد فيها عليهن كمعيلات رئيسيات.
جيل الألفية والأكثر انخراطًا في تعدد الوظائف
كما أشار التقرير إلى أن عدد العاملين الذين بدأوا العمل في أكثر من وظيفة ضمن الفئة العمرية 25 إلى 54 عامًا ارتفع بنحو 370 ألف شخص بين عامي 2022 و2023، ما يعكس تسارعًا في وتيرة الظاهرة خلال فترة قصيرة.
وفي تعليق على النتائج، أوضح المتحدث باسم المنصة، أن استمرار أزمة غلاء المعيشة أدى إلى زيادة الاعتماد على العمل المتعدد، محذرًا من تداعيات ذلك على التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
وأشار إلى أن العمل في أكثر من وظيفة قد ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والجسدية، خصوصًا فيما يتعلق بالإجهاد المزمن واضطرابات النوم وتراجع جودة العلاقات الاجتماعية.
ويشير التقرير إلى أن الفجوة بين الجنسين في العمل المتعدد لا يمكن فصلها عن التوزيع غير المتكافئ للأعباء المنزلية والعمل غير المدفوع، حيث تتحمل النساء غالبًا مسؤوليات إضافية داخل الأسرة إلى جانب العمل الوظيفي.
كما تسهم فجوة الأجور في دفع العديد من النساء إلى البحث عن مصادر دخل إضافية لتعويض انخفاض الرواتب مقارنة بالرجال في بعض القطاعات.
تحذيرات من آثار صحية واجتماعية
ويؤكد مختصون أن العمل لدى أكثر من جهة ليس مخالفًا في حد ذاته، إلا أنه قد يخضع لقيود تعاقدية، إذ تمنع بعض الشركات موظفيها بدوام كامل من الالتحاق بوظائف إضافية. وقد يؤدي خرق هذه الشروط إلى إجراءات تأديبية تصل إلى إنهاء الخدمة.
ورغم ما يوفره العمل المتعدد من مزايا مالية وفرص لاكتساب الخبرة وتطوير المهارات، خاصة في مجالات مثل العمل الحر وخدمة العملاء، إلا أنه يحمل تحديات كبيرة تتعلق بالإرهاق والتوتر وتأثيره على الحياة الشخصية.
ومن بين أبرز المخاطر المرتبطة بالعمل في أكثر من وظيفة: الإجهاد الجسدي والذهني، تراجع الأداء المهني، ضعف جودة النوم، إضافة إلى الضغط على العلاقات الاجتماعية.
فرص ومخاطر متوازنة
وينصح الخبراء الراغبين في خوض تجربة العمل في أكثر من وظيفة بضرورة التخطيط الجيد، وتحديد الأولويات، وإدارة الوقت بكفاءة، مع ضرورة الالتزام بالشفافية تجاه أصحاب العمل.
كما يشددون على أهمية مراقبة مؤشرات الإرهاق الجسدي والنفسي، ووضع حدود واضحة بين الوظائف المختلفة، مع إعطاء الأولوية للصحة العامة باعتبارها عاملًا حاسمًا في الاستدامة المهنية.
هذا .. وتعكس ظاهرة العمل في أكثر من وظيفة واقعًا اقتصاديًا متغيرًا يفرض تحديات جديدة على الأفراد وسوق العمل على حد سواء. وبينما توفر هذه الظاهرة حلولًا مالية مؤقتة، فإنها تطرح في المقابل تساؤلات جدية حول الاستقرار النفسي والاجتماعي، ما يستدعي معالجة أوسع تشمل السياسات الاقتصادية وتنظيم سوق العمل.







