يدخل القطاع العقاري مرحلة جديدة لإعادة حساب تكلفة المشروعات، بعد موافقة مجلس الوزراء على خفض سعر الفائدة المطبق على أقساط أراضي المطورين العقاريين من 15% إلى 12%، في خطوة تستهدف تخفيف أعباء التمويل المرتبطة بمحافظ الأراضي، ودعم قدرة الشركات على إدارة تدفقاتها النقدية واستكمال مشروعاتها.
ويرى مطورون ومتخصصون في القطاع أن القرار يمثل خطوة إيجابية لدعم النشاط العقاري، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنشاء والتمويل والتسويق، إلا أن الاستفادة الكاملة منه تظل مرتبطة باستمرار تطبيق سعر الفائدة المخفض لفترة طويلة، إلى جانب خفض تكلفة الأراضي والتوسع في التمويل العقاري للمشترين.
وقال محمد البستاني، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، إن خفض فائدة أقساط الأراضي من 15% إلى 12% يمثل دعمًا حقيقيًا للقطاع العقاري، موضحًا أن تكلفة الأرض أصبحت أحد المكونات الرئيسية في التكلفة النهائية للمشروعات، وبالتالي فإن خفض الفائدة عليها ينعكس بصورة مباشرة على حسابات المطورين.
وأشار إلى أن خفض الفائدة 3 نقاط مئوية يمثل تراجعًا في معدل الفائدة بنحو 20%، وهو ما تزداد أهميته بالنسبة للمشروعات التي تمتد فترات سداد أراضيها لعدة سنوات.
وأوضح أن القرار يحقق استفادة مشتركة للدولة والمطور والعميل، وإن اختلفت طبيعة هذه الاستفادة، إذ يستفيد المطور بصورة مباشرة من انخفاض تكلفة تمويل الأرض، بما يحسن تدفقاته النقدية وقدرته على استكمال التنفيذ.
في المقابل، تستفيد الدولة على المدى الطويل من استمرار دورة الاستثمار العقاري، بما ينعكس على معدلات الإنشاء والتشغيل وفرص العمل والضرائب والرسوم، فضلًا عن تنمية الأراضي ورفع قيمتها.
هل يتراجع سعر العقار؟
وحول انعكاس القرار على أسعار الوحدات، استبعد البستاني حدوث انخفاض مباشر وكبير في الأسعار نتيجة خفض الفائدة وحده، في ظل تعدد عناصر التكلفة التي يتحملها المطور، ومنها الأرض ومواد البناء والعمالة والتمويل والتسويق والمصروفات الإدارية.
وأوضح أن التأثير المتوقع سيظهر بصورة أكبر في إبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة انخفاض الأسعار الاسمية للوحدات القائمة.
وأضاف أن المنافسة بين المطورين قد تدفع جزءًا من الوفر الناتج عن انخفاض تكلفة التمويل إلى العملاء، سواء عبر الحد من الزيادات السعرية أو تحسين نظم السداد وتقليل الأعباء التمويلية.
ربط الحوافز بمعدلات التنفيذ
واقترح البستاني ربط بعض الحوافز التمويلية بدرجة التزام المطورين بمعدلات التنفيذ والتسليم والبرامج الزمنية، بحيث يحصل المطور الملتزم على مزايا إضافية.
وأوضح أن هذا النهج يضمن توجيه الحوافز نحو الإنتاج والتنفيذ الفعلي للمشروعات، بدلًا من اقتصار الاستفادة منها على حيازة الأراضي.
كما أشار إلى أن انخفاض تكلفة التمويل قد يشجع بعض الشركات على إعادة دراسة فرص استثمارية أو عمليات شراء أراضٍ كانت مؤجلة بسبب ارتفاع تكلفة التمويل، خاصة أن تكلفة الأرض والفائدة والإنشاء والتسويق والإدارة تدخل جميعها في حسابات المطور قبل اتخاذ القرار الاستثماري.
من جانبه، قال محمد القاضي، عضو لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن تثبيت سعر الفائدة عند مستوى 12% سيمثل عاملًا إيجابيًا للمطورين، خصوصًا في ظل احتمالات تغير مستويات الفائدة خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن ثبات الفائدة يمنح الشركات رؤية أكثر وضوحًا لتكلفة التمويل والتدفقات النقدية، ويساعدها على ترتيب أولوياتها واتخاذ قراراتها الاستثمارية والتنفيذية وفق حسابات مالية أكثر دقة.
وأشار إلى أن أهمية تثبيت الفائدة ترتبط بطبيعة الاستثمار العقاري، إذ يسدد المطورون قيمة الأراضي على فترات تمتد لنحو 4 سنوات، ما يجعل أي ارتفاعات كبيرة ومفاجئة في أسعار الفائدة خلال هذه الفترة عاملًا مؤثرًا في تكلفة المشروعات وخطط الشركات.
أراضٍ بأسعار أقل وتمويل عقاري أطول
ويرى القاضي أن دعم القطاع العقاري لا يجب أن يقتصر على خفض فائدة أقساط الأراضي، وإنما يتطلب أيضًا طرح أراضٍ جديدة بأسعار أقل، بما يسهم في خفض التكلفة الإجمالية للمشروعات.
كما طالب بالتوسع في التمويل العقاري للمشترين، بما يقلل الاعتماد على فترات التقسيط الطويلة التي يقدمها المطورون، ويتيح للمطور الحصول على قيمة أكبر من الوحدة عند التسليم، وهو ما يعزز السيولة المتاحة للشركات ويساعدها على استكمال مشروعاتها والتوسع في استثمارات جديدة.
12% إيجابية.. لكنها لا تحل أزمة التمويل بالكامل
وقال أحمد حسام، رئيس قطاع المبيعات بشركة هامات للتطوير العقاري، إن المطور العقاري يعد المستفيد المباشر من القرار، إذ يسهم خفض الفائدة في تقليل تكلفة الاحتفاظ بمحفظة الأراضي، ويوفر مرونة أكبر في إدارة التدفقات النقدية التشغيلية.
وأضاف أن الدولة تستفيد بدورها من انتظام سداد مستحقات الأراضي وتقليل احتمالات التعثر، بينما يستفيد العميل بصورة غير مباشرة من خلال الحد من حدة الزيادات السعرية المستقبلية.
وأشار إلى أن القرار قد يشجع الشركات على إعادة تحريك مشروعات كانت مخططة أو مؤجلة، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث موجة كبيرة من الإقبال على شراء أراضٍ جديدة.
وأكد حسام أن سعر الفائدة البالغ 12%، رغم إيجابيته، لا يكفي بمفرده لمعالجة التحديات التمويلية التي تواجه القطاع، لأنه يعالج جانبًا واحدًا من التكلفة، بينما لا تزال تكلفة الاقتراض البنكي والائتمان التشغيلي مرتفعة.
وطالب حسام بتمديد فترة الاستفادة من سعر الفائدة المخفض لسنوات عديدة، بالتوازي مع تيسير التمويل البنكي الموجه للإنشاءات ومد فترات سداد أقساط الأراضي، بما يمنح الشركات قدرة أكبر على التخطيط والاستثمار.
وتوقع أن يؤدي القرار إلى تهدئة وتيرة الزيادات السعرية المستقبلية أكثر من خفض الأسعار الحالية، مشيرًا إلى إمكانية تراجع الزيادة المخططة في أسعار المراحل الجديدة بنحو 3% إلى 6%، وفقًا لهيكل تكلفة كل مشروع.
وأوضح أن هذا الوفر المحتمل قد يمنح الشركات مرونة أكبر في تقديم تسهيلات ونظم سداد للعملاء، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هوامش الربحية.
ماذا يعني القرار للمشتري؟
وبحسب رؤية المتعاملين في السوق، فإن الأثر الأبرز للقرار على المشتري لن يظهر بالضرورة في صورة انخفاض فوري في أسعار الوحدات، وإنما قد يتمثل في الحد من الزيادات السعرية المستقبلية، وتحسين نظم السداد، وزيادة قدرة المطورين على تنفيذ المشروعات وفق الجداول الزمنية المحددة.
وبالتالي، فإن انتقال أثر خفض فائدة أقساط الأراضي إلى المستهلك سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، أبرزها مدة استمرار سعر الفائدة عند مستوى 12%، وتكلفة التمويل البنكي، وأسعار الأراضي ومواد البناء، إلى جانب حجم المنافسة بين الشركات وقدرتها على تمرير جزء من الوفر إلى العملاء.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو خفض فائدة أقساط الأراضي خطوة داعمة للقطاع، لكنها تمثل جزءًا من حزمة أوسع من الإجراءات المطلوبة لخفض تكلفة التطوير العقاري وتعزيز القدرة على التنفيذ، بما يسمح بتحقيق استفادة أكبر للمطور والمشتري والاقتصاد ككل.







