حددت دراسة أعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بتمويل من الاتحاد الأوروبي، قائمة بأفضل 50 منتجًا يمكن لمصر التركيز عليها لجذب مزيد من الاستثمارات الأوروبية إلى القطاع الصناعي، بعد تحليل 1058 منتجًا وتقييم فرص التصدير والاستثمار وسلاسل القيمة المرتبطة بكل منتج.
وتكشف الدراسة عن فرص استثمارية تتجاوز نطاق القطاعات التقليدية، لتشمل منتجات ومكونات صناعية يمكن أن تمثل نقطة دخول للشركات الأوروبية الراغبة في إعادة توزيع سلاسل الإمداد والإنتاج، بما يتيح لمصر فرصة لتعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة وتعزيز الصادرات.
معدات كهربائية وآلات وحديد في صدارة الفرص
وأظهرت نتائج الدراسة تصدر قطاعات المعدات والآلات الكهربائية، والآلات الميكانيكية، ومنتجات الحديد والصلب، والنحاس، والألومنيوم، والمطاط، والكيماويات، والبلاستيك، والزجاج والمنسوجات قائمة المنتجات المرشحة لجذب الاستثمارات الأوروبية.
وضمت المنتجات ذات الأولوية معدات التكييف، والأفران الصناعية، وأجهزة الطرد المركزي، ومعدات الرفع، والمحولات الكهربائية، بما يعكس تركيز الدراسة على المنتجات التي تمتلك فرصًا للتوسع في التصدير أو الاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية.
ويمنح التركيز على مستوى المنتج مساحة أكبر لاستهداف الاستثمارات بصورة مباشرة، بدلًا من التعامل مع قطاع صناعي كامل باعتباره فرصة واحدة، إذ يمكن توجيه الحوافز والتسهيلات إلى منتجات محددة تمتلك مصر فيها مقومات إنتاج أو فرصًا واضحة للاندماج في سلاسل التوريد العالمية.
10 قطاعات مرشحة لإعادة التموضع الصناعي
حدد المركز المصري للدراسات الاقتصادية مجموعة من القطاعات الاستراتيجية التي يمكن أن تستفيد من توجه الشركات الأوروبية نحو إعادة تموضع سلاسل الإنتاج والتوريد، وفي مقدمتها مكونات السيارات، والكيماويات، والصناعات الدوائية، والمنسوجات، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
كما تشمل الفرص قطاعات الطاقة المتجددة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية والخدمات المالية، بما يوسع نطاق الاستفادة المحتملة من الاستثمارات الأوروبية خارج الصناعات التحويلية التقليدية.
وتأتي هذه الرؤية في ظل اتجاه عالمي لإعادة ترتيب سلاسل القيمة، وهو ما يفتح المجال أمام الدول التي تمتلك قاعدة صناعية وموقعًا جغرافيًا مناسبًا وقدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية لجذب جزء من الاستثمارات الجديدة.
قالت عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن الدراسة لا تقتصر على تحديد القطاعات الواعدة، وإنما تقدم خريطة استثمارية على مستوى المنتجات والقطاعات الفرعية وسلاسل القيمة المرتبطة بها.
وأوضحت أن هذا النهج يوفر أساسًا أكثر دقة لتحويل الفرص الاستثمارية إلى مشروعات وشراكات ومصانع جديدة، من خلال تحديد المجالات التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة وتندمج في سلاسل الإنتاج والتصدير.
ويعني ذلك الانتقال من الترويج العام للاستثمار في قطاع معين إلى استهداف فرص محددة يمكن عرضها على المستثمرين وفق احتياجات الأسواق وسلاسل التوريد والقدرات الإنتاجية المتاحة.
توصيات لتحسين بيئة الاستثمار
ولتعظيم قدرة مصر على تحويل الفرص المحددة إلى استثمارات فعلية، أوصت الدراسة بمجموعة من الإجراءات، من بينها إنشاء شباك موحد رقمي للمستثمرين، وتسريع إجراءات تسوية المنازعات، وتحفيز الاستثمار الأخضر، وتطوير إدارة المخاطر الجمركية.
كما دعت إلى تحديث اتفاقية الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، بما يسمح بتوسيع نطاقها ليشمل الخدمات، إلى جانب إجراء إصلاحات قطاعية في الصناعات المستهدفة.
وتستهدف هذه التوصيات معالجة مجموعة من العوامل التي تؤثر في قرار المستثمر، بدءًا من سرعة الإجراءات وتكلفة ممارسة الأعمال، وصولًا إلى قدرة الشركات على الاندماج في سلاسل القيمة والتصدير إلى الأسواق الخارجية.
وأظهرت الدراسة ارتفاع رصيد الاستثمارات الأوروبية المتراكمة في مصر إلى 36.6 مليار يورو خلال 2024، مقابل نحو 32 مليار يورو في 2016، مع استمرار الاتحاد الأوروبي كأكبر مستثمر أجنبي في الاقتصاد المصري.
وتعكس هذه الأرقام وجود قاعدة استثمارية أوروبية كبيرة بالفعل في السوق المصرية، إلا أن الدراسة تستهدف توجيه جزء أكبر من التدفقات الجديدة نحو التصنيع والمنتجات الوسيطة، بما يرفع من مساهمة الاستثمارات الأوروبية في تعميق الصناعة المحلية.
الاتحاد الأوروبي يستهدف التصنيع والسلع الوسيطة
من جانبها، قالت بياتريس كناستر، رئيسة قسم التجارة والعلوم والمؤسسات بوفد الاتحاد الأوروبي لدى مصر، إن رصيد الاستثمارات الأوروبية في السوق المصرية بلغ نحو 37 مليار يورو في 2024.
وأشارت إلى استهداف توجيه مزيد من الاستثمارات الأوروبية إلى قطاعات التصنيع وإنتاج السلع الوسيطة والشركات الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم في تعميق سلاسل القيمة الصناعية وتعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري.
وتكتسب السلع الوسيطة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يمكن أن يؤدي توطين إنتاج المكونات والمدخلات الصناعية إلى زيادة نسبة المكون المحلي وربط الشركات المصرية بمصانع وشركات أوروبية تعمل ضمن سلاسل توريد عابرة للحدود.
وأوضحت كناستر أن آلية ضمانات الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي ومصر، التي أُطلقت في يونيو الماضي، تستهدف حشد استثمارات تصل إلى 5 مليارات يورو بحلول 2027.
وتوفر الآلية، إلى جانب قائمة المنتجات التي حددتها الدراسة، إطارًا يمكن أن يساعد في تحويل الفرص الصناعية المحددة إلى استثمارات فعلية، خصوصًا في القطاعات التي تستهدف مصر من خلالها زيادة القيمة المضافة المحلية والتوسع في التصدير.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن المنافسة على جذب الاستثمارات الأوروبية لن تعتمد فقط على حجم السوق المحلية، وإنما كذلك على قدرة مصر على تحديد المنتجات ذات الأولوية، وتوفير بيئة استثمار أكثر كفاءة، وربط الاستثمارات الجديدة بالتصنيع المحلي وسلاسل القيمة والتصدير.
وبذلك، فإن قائمة الـ50 منتجًا تمثل، وفق الدراسة، نقطة انطلاق لاستراتيجية أكثر تحديدًا في استهداف الاستثمار الأوروبي، تقوم على المنتج وسلسلة القيمة وليس القطاع العام فقط، بينما يظل تحويل هذه الفرص إلى مصانع ومشروعات جديدة مرتبطًا بقدرة الإصلاحات المقترحة على تحسين بيئة الأعمال وتسهيل دخول الاستثمارات وتنفيذها.







