في مؤشر جديد على التحول المتزايد في طبيعة الشراكة الاقتصادية بين مصر والصين من التجارة واستيراد المنتجات إلى التصنيع وتوطين الصناعة، اتفقت مجموعة «جي إيه سي» الصينية وشركة «جميل موتورز» على المضي قدمًا في إنتاج السيارات محليًا في مصر، بما يعزز فرص تطوير سلاسل الإمداد المحلية ويدعم تحول القاهرة إلى مركز إقليمي لتصنيع سيارات الركوب للسوق المحلية والتصدير إلى الأسواق الإفريقية والشرق الأوسط.
ويأتي الاتفاق في توقيت لافت بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، التي تمثل أول زيارة له إلى القاهرة منذ عام 2016، وفي عام تتزامن فيه العلاقات المصرية الصينية مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وتعكس الخطوة الجديدة توجهًا متزايدًا نحو الانتقال بالعلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين من التعاون التجاري التقليدي إلى شراكات إنتاجية تستهدف توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات التصنيعية المحلية، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر كبوابة إلى الأسواق الإفريقية والعربية.
«جي إيه سي» تنتقل من استيراد السيارات إلى التصنيع المحلي
وذكرت منصة «جاسجو» الصينية المتخصصة في صناعة السيارات، في تقرير نشرته اليوم الاثنين، أن مجموعة «جي إيه سي» وشركة «جميل موتورز» وقعتا اتفاقًا للتعاون الفني في القاهرة خلال أغسطس الجاري، في إطار شراكة تستهدف تعظيم الاستفادة من القدرات المصرية والعمالة المتخصصة.
ويمثل الاتفاق تحولًا مهمًا في استراتيجية المجموعة الصينية بالسوق المصرية، التي بدأت عام 2023 من خلال استيراد السيارات كاملة الصنع، قبل أن تتجه حاليًا إلى إنشاء عمليات تصنيع محلية، بالتزامن مع خططها لتوسيع حضورها في القارة الإفريقية.
ومنذ دخولها السوق المصرية، عملت «جي إيه سي» على بناء شبكة للمبيعات وخدمات ما بعد البيع تغطي عددًا من المدن الرئيسية، قبل أن تضيف التصنيع المحلي إلى خطتها للتوسع في السوق.
وبحسب «جاسجو»، سيبدأ مشروع التوطين بإنتاج سيارة رياضية متعددة الاستخدامات «SUV» من الفئة الأساسية، تستهدف بصورة خاصة شريحة الشباب.
ومن المنتظر أن تضخ «جي إيه سي» و«جميل موتورز» استثمارات مشتركة لتنفيذ أعمال التطوير الفني وتعديل خطوط الإنتاج، مع تطبيق معايير التصنيع الخاصة بالمجموعة الصينية على الإنتاج المحلي، إلى جانب إدخال مزيد من التكنولوجيا والخبرات التصنيعية إلى قطاع السيارات المصري.
توطين الصناعة يفتح الباب أمام سلاسل إمداد جديدة
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج السيارات داخل مصر، إذ يمكن أن يسهم التصنيع المحلي في تطوير سلسلة الإمداد المرتبطة بصناعة السيارات، وزيادة الاعتماد على المكونات المحلية، وتطوير مهارات العمالة الفنية، وخلق فرص عمل جديدة.
كما يمكن للإنتاج المحلي تقليص المدة اللازمة لتسليم السيارات وتحسين خدمات ما بعد البيع، إلى جانب توسيع نطاق الصناعة المصرية إلى أنشطة أكثر تقدمًا من الناحية الفنية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد المصري، في ظل سعي الدولة إلى تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للصناعة، إذ إن توطين صناعة السيارات لا يرتبط فقط بعمليات التجميع، وإنما يمتد إلى الصناعات المغذية والمكونات والخدمات الهندسية واللوجستية والتكنولوجية المرتبطة بالقطاع.
مصر منصة تصديرية للسيارات الصينية
ولا تتوقف طموحات «جي إيه سي» عند السوق المصرية، إذ تستهدف المجموعة الاستفادة من المشروع باعتباره نقطة انطلاق لتوسيع عملياتها في المنطقة، من خلال زيادة توطين الصناعة وتوسيع تشكيلة المنتجات وتعزيز قدرات خدمات ما بعد البيع.
وتخطط المجموعة الصينية للاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر لتطوير مركز إقليمي للتصنيع والتوزيع يخدم الأسواق الإفريقية والدول المجاورة، مع تعزيز حضورها في منطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا.
وتوفر مصر، بفضل موقعها عند ملتقى طرق التجارة بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، إلى جانب امتلاكها شبكة من الموانئ والممرات التجارية، مقومات تسمح بتحويل الاستثمارات في صناعة السيارات من مشروعات تستهدف السوق المحلية فقط إلى منصات إنتاجية وتصديرية تخدم أسواقًا إقليمية واسعة.
ويتوافق هذا التوجه مع استراتيجية مصر لزيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلي وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير.
السيارات محور جديد في الشراكة المصرية الصينية
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الصينية زخمًا متزايدًا على المستويين السياسي والاقتصادي، بالتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينج أهمية مواصلة تعميق التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، ودفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة إلى مستويات جديدة.
كما أكد وزير الخارجية الصيني وانج يي، خلال لقائه وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في يوليو الماضي، استعداد بلاده لتعميق التعاون مع مصر في مجالات التصنيع والاقتصاد والتجارة والذكاء الاصطناعي وغيرها، فيما أعرب الجانب المصري عن تطلعه إلى تعزيز التعاون في مجالات السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والمناطق الصناعية.
ومع دخول العلاقات المصرية الصينية عامها السبعين، تبدو صناعة السيارات واحدة من القطاعات المرشحة للعب دور محوري في المرحلة المقبلة من الشراكة، خاصة مع التحولات العالمية في صناعة المركبات الكهربائية وسلاسل الإمداد، وتزايد المنافسة على إنشاء قواعد إنتاج إقليمية.
ومن شأن نجاح مشروعات التصنيع الصينية في قطاع السيارات داخل مصر أن يعزز فرص بناء قاعدة صناعية متكاملة، لا تكتفي بتلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما تنطلق منها إلى الأسواق الإفريقية والعربية، بما يدعم أهداف مصر في زيادة الإنتاج والصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية ذات القيمة المضافة.







