رغم بدء اليوم بمستويات مرتفعة من النشاط والحيوية، يعاني كثيرون من تراجع الطاقة والتركيز خلال فترة ما بعد الظهر، خاصة بين الثانية والثالثة، مع الشعور بالنعاس وثقل الجفون وتشوش الذهن وتكرار التثاؤب. وبينما يُعد الحصول على قسط كافٍ من النوم عاملًا أساسيًا لاستعادة النشاط، فإن الخيارات الغذائية قد تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على اليقظة ودعم وظائف الدماغ على مدار اليوم.
ويرتبط تأثير الغذاء على التركيز بقدرته على توفير الطاقة بصورة منتظمة، إلى جانب إمداد الجسم بالعناصر الغذائية اللازمة لصحة الجهاز العصبي. وتؤكد كارا كاش، أخصائية التغذية ورئيسة قسم التغذية في شركة «فاكتور»، أن اتباع نظام غذائي متوازن يساعد على توفير الطاقة من المغذيات الأساسية، فضلًا عن إمداد الجسم بالفيتامينات والمعادن الضرورية للحفاظ على وظائف الدماغ.
وفي المقابل، لا تمثل التغييرات الغذائية حلًا نهائيًا لجميع حالات الإرهاق، إذ قد يرتبط التعب المستمر بنقص بعض العناصر الغذائية أو بمشكلات صحية أخرى تستدعي استشارة الطبيب. ومع ذلك، فإن اختيار وجبات متوازنة قد يساعد على تقليل الشعور بالخمول، بدلًا من الاعتماد المتكرر على القهوة ومشروبات الطاقة.
ما أفضل الأطعمة لتعزيز التركيز؟
تنصح أبيجيل كولين، أخصائية التغذية المسجلة ومنسقة التغذية السريرية للمرضى الخارجيين في مستشفى «ماونت سيناي»، بالتركيز على نمط غذائي متكامل يعتمد على الأطعمة الكاملة، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم، بدلًا من الاعتماد على نوع واحد من الطعام باعتباره حلًا منفردًا لتحسين التركيز.
وتشمل أبرز الخيارات الغذائية التي قد تدعم الانتباه والطاقة الذهنية ما يلي:
1. الأسماك الدهنية.. لدعم وظائف الدماغ
يُعد السردين والسلمون وغيرهما من الأسماك الدهنية مصادر مهمة لأحماض أوميغا 3، التي ترتبط بصحة الدماغ والوظائف الإدراكية. وتشير أبحاث إلى أن هذه الأحماض قد تسهم في دعم الذاكرة والتعلم.
وتوضح كاش أن أحماض أوميغا 3 تدخل في تركيب أغشية خلايا الدماغ، وتؤدي دورًا مهمًا في وظائف الخلايا العصبية والتواصل بينها. لذلك، فإن إدراج الأسماك الدهنية ضمن النظام الغذائي قد يساعد على دعم صحة الدماغ على المدى الطويل.
2. التوت.. مصدر لمضادات الأكسدة
يحتوي التوت على مضادات الأكسدة التي تساعد على حماية الخلايا من الإجهاد التأكسدي، بما في ذلك خلايا الدماغ. وترى كولين أن الانتظام في تناول الأطعمة الغنية بهذه المركبات قد يدعم الوظائف الإدراكية والتركيز.
ويمكن تناول التوت وجبة خفيفة بين الوجبات، أو إضافته إلى الزبادي والشوفان للحصول على وجبة تجمع بين الألياف ومصادر أخرى للعناصر الغذائية.
3. البيض.. لتعزيز الانتباه
يمثل البيض مصدرًا جيدًا للكولين، وهو عنصر غذائي يحتاج إليه الجسم لإنتاج الأستيل كولين، أحد النواقل العصبية المرتبطة بعمليات الانتباه والذاكرة.
وتشير كاش إلى أن الحصول على كميات كافية من الكولين يدعم الوظائف العصبية، ما يجعل البيض خيارًا مناسبًا ضمن نظام غذائي متوازن، سواء في وجبة الإفطار أو الغداء.
4. بذور اليقطين.. للحصول على المغنيسيوم
تحتوي بذور اليقطين على المغنيسيوم، الذي يؤدي أدوارًا متعددة في وظائف الأعصاب والعضلات. ويساعد الحصول على الكميات المناسبة منه في دعم الوظائف الطبيعية للجهاز العصبي.
وتوضح كاش أن المغنيسيوم يرتبط بتنظيم النشاط العصبي، وهو ما قد ينعكس على القدرة على الحفاظ على الهدوء والتركيز. ويمكن تناول بذور اليقطين بكميات معتدلة ضمن وجبة خفيفة، مع مراعاة احتياجات الجسم من السعرات والعناصر الغذائية.
5. الشوكولاتة الداكنة والمكسرات.. دفعة معتدلة من الطاقة
قد يساعد تناول كمية معتدلة من الشوكولاتة الداكنة مع حفنة من المكسرات على توفير وجبة خفيفة تجمع بين قدر من الكافيين ومضادات الأكسدة والدهون الصحية والبروتين.
وتنصح كولين بهذا المزيج بدلًا من الوجبات الخفيفة الغنية بالسكر، إذ قد يساعد الجمع بين العناصر الغذائية على إبطاء امتصاص الكربوهيدرات وتوفير الطاقة بصورة أكثر استقرارًا. ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى حجم الحصة، لأن الشوكولاتة والمكسرات قد تكونان مرتفعتين في السعرات الحرارية.
6. الماتشا.. بديل محتمل لفنجان القهوة الثاني
تحتوي الماتشا، وهي مسحوق الشاي الأخضر، على الكافيين والثيانين، وهو حمض أميني يرتبط بدراسة تأثيرات محتملة في الانتباه والاسترخاء.
وتصف كاش الماتشا بأنها خيار يجمع بين الكافيين الطبيعي والثيانين، بما قد يساعد بعض الأشخاص على الشعور باليقظة مع قدر من الاسترخاء. لكنها تظل مصدرًا للكافيين، ولذلك ينبغي احتسابها ضمن إجمالي الاستهلاك اليومي، خاصة لدى الأشخاص الأكثر حساسية لتأثيره أو الذين يعانون اضطرابات النوم.
7. الكربوهيدرات المعقدة.. وقود مستمر للدماغ
يعتمد الدماغ على الجلوكوز مصدرًا رئيسيًا للطاقة، وتوفر الكربوهيدرات جزءًا أساسيًا من احتياجات الجسم منه. لكن نوع الكربوهيدرات وطريقة تناولها قد يؤثران في سرعة ارتفاع مستوى السكر في الدم وانخفاضه لاحقًا.
وتوصي كولين بدمج مصادر الكربوهيدرات مع البروتين والألياف، مثل تناول الفارو مع الدجاج المشوي والخضراوات، بدلًا من الاعتماد على الكربوهيدرات وحدها. ويساعد هذا التنوع على إبطاء عملية الهضم وتحسين الشعور بالشبع، وقد يدعم استقرار الطاقة خلال ساعات العمل.
ما الأطعمة التي قد تزيد الخمول؟
في المقابل، قد تؤدي الوجبات الخفيفة الغنية بالسكريات المضافة، مثل الحلويات والمعجنات والمشروبات المحلاة، إلى ارتفاع سريع في مستوى الجلوكوز في الدم، يعقبه انخفاض قد يصاحبه شعور بالتعب لدى بعض الأشخاص.
وتحذر كاش من الاعتماد على هذه الأطعمة للحصول على دفعة سريعة من الطاقة، لأن تأثيرها قد لا يستمر طويلًا. ويمكن استبدالها بخيارات تجمع بين البروتين والألياف والدهون الصحية، مثل المكسرات مع الفاكهة، أو الزبادي مع الشوفان.
ولا يعني ذلك ضرورة الامتناع التام عن الأطعمة السكرية، وإنما تقليل الاعتماد عليها بوصفها المصدر الأساسي للطاقة، مع الاهتمام بتوازن الوجبات وتوزيعها على مدار اليوم.
هل يكفي تغيير النظام الغذائي للتخلص من التعب؟
قد يساعد تحسين جودة الطعام على دعم التركيز وتقليل التقلبات في الطاقة، لكنه لا يعوض النوم الكافي أو النشاط البدني المنتظم أو شرب الماء بصورة مناسبة.
كما أن استمرار الإرهاق أو تكراره بصورة تؤثر في الحياة اليومية يستدعي مراجعة الطبيب، خصوصًا إذا صاحبه دوار أو ضيق في التنفس أو أعراض أخرى. فقد يرتبط التعب بنقص الحديد أو بعض الفيتامينات، أو باضطرابات النوم، أو بحالات صحية تحتاج إلى تقييم متخصص.
وفي النهاية، لا يعتمد الحفاظ على النشاط الذهني على طعام بعينه، بل على نمط غذائي متوازن يوفر البروتين والكربوهيدرات والألياف والدهون الصحية، ويحد من الإفراط في السكريات، بما يساعد على دعم وظائف الدماغ والحفاظ على الطاقة والتركيز خلال اليوم.







