كتبت/ أميرة فخري
يواصل القطاع العقاري في مصر أداء دوره كأحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، مدفوعًا بالتوسع العمراني، والزيادة السكانية، وتنامي الطلب على الوحدات السكنية والتجارية والسياحية، بالتزامن مع تنفيذ الدولة مشروعات كبرى لتطوير البنية التحتية وإنشاء مدن ومجتمعات عمرانية جديدة.
ويمتد النشاط العقاري إلى عدد كبير من المناطق، وفي مقدمتها القاهرة الكبرى والمدن الجديدة والمناطق الساحلية مثل الساحل الشمالي والعين السخنة والغردقة وشرم الشيخ والإسكندرية، مع تنوع المنتجات المطروحة بين الشقق والفيلات والوحدات التجارية والإدارية والفندقية والسياحية.
الطلب العقاري.. محرك رئيسي للسوق
ويستند الطلب على العقارات في مصر إلى مجموعة من العوامل، أبرزها النمو السكاني والتوسع العمراني واحتياجات الأسر إلى السكن، إلى جانب توجه شريحة من المستثمرين إلى العقار باعتباره أحد الأصول التي يمكن الاحتفاظ بها على المدى الطويل.
وفي المقابل، شهدت السوق خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في مستويات الأسعار نتيجة ارتفاع تكاليف الأراضي ومواد البناء والطاقة والنقل والتمويل، فضلًا عن تأثيرات سعر الصرف وتغيرات تكلفة استيراد بعض مدخلات الإنتاج.
وأدت هذه المتغيرات إلى اتجاه عدد من الشركات إلى إعادة تسعير مشروعاتها بصورة دورية، مع الاعتماد بدرجات متفاوتة على أنظمة السداد والتقسيط كأداة رئيسية للحفاظ على القدرة الشرائية للعملاء.
هل يؤدي انخفاض تكلفة البناء إلى تراجع أسعار العقارات؟
العلاقة بين أسعار مواد البناء وأسعار الوحدات العقارية ليست مباشرة أو آلية. فتكلفة البناء تمثل عنصرًا أساسيًا في تحديد السعر النهائي، لكنها ليست المكون الوحيد، إذ تدخل ضمن السعر تكلفة الأرض والتمويل والتسويق والإدارة والمرافق والخدمات، إلى جانب هامش ربح المطور.
ومن ثم، فإن انخفاض أسعار الحديد أو الأسمنت أو بعض مدخلات البناء لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار العقارات بالنسبة نفسها.
وقد يستفيد المشتري من أي تراجع في تكاليف الإنتاج إذا قرر المطور تمرير جزء من الوفر إلى العملاء، لكن مدى انعكاس ذلك على الأسعار النهائية يتوقف على طبيعة المشروع ومرحلة التنفيذ ومستوى الطلب وهوامش الربحية.
5% خفضًا.. هل يمثل فرصة للمشترين؟
يمكن أن يمثل انخفاض الأسعار فرصة أفضل لبعض الراغبين في الشراء، خصوصًا إذا تزامن مع تحسن نسبي في استقرار تكلفة البناء وارتفاع المعروض من الوحدات.
لكن تقييم الفرصة الاستثمارية لا ينبغي أن يعتمد على نسبة الخصم وحدها؛ فالعائد الحقيقي على الاستثمار العقاري يرتبط بسعر الشراء مقارنة بالقيمة السوقية، وموقع الوحدة، ومستوى الطلب على المنطقة، وجودة المشروع، وسهولة إعادة البيع أو التأجير، إضافة إلى شروط السداد.
وبالنسبة للمستثمر، قد يكون انخفاض السعر عاملًا مساعدًا على تحسين العائد المتوقع، لكنه لا يمثل ضمانًا لتحقيق أرباح مستقبلية، خاصة في ظل تغير أسعار الفائدة وتكاليف التمويل ومستويات التضخم.
التكنولوجيا تعيد تشكيل صناعة التطوير العقاري
ولا تقتصر تحولات السوق العقارية على الأسعار والتكاليف، إذ تتجه شركات التطوير بصورة متزايدة إلى استخدام التكنولوجيا في تصميم وإدارة وتسويق المشروعات.
وتشمل الأدوات المستخدمة تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وخدمات العملاء الإلكترونية، بما يساعد الشركات على تحليل سلوك المشترين، وتحديد احتياجات السوق، وتحسين عمليات التسويق وإدارة المشروعات.
ومن المتوقع أن يصبح توظيف البيانات والتكنولوجيا أكثر أهمية مع زيادة حجم المنافسة وتنوع المشروعات العقارية، خصوصًا في المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية المتكاملة.
ماذا حدث للسوق خلال جائحة كورونا؟
كان القطاع العقاري من القطاعات التي تأثرت بتداعيات جائحة كورونا، خاصة خلال المراحل الأولى من الأزمة، مع تباطؤ حركة البيع والشراء وتأجيل بعض القرارات الاستثمارية، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد وتأخر تنفيذ بعض المشروعات.
كما انعكست الأزمة على القطاعات المرتبطة بالعقارات، وفي مقدمتها التشييد ومواد البناء والتصميم والتشطيبات والخدمات العقارية.
ومع إعادة فتح الأنشطة الاقتصادية وتكيف الشركات مع الظروف الجديدة، بدأت السوق في استعادة نشاطها تدريجيًا، قبل أن تدخل لاحقًا في مرحلة جديدة اتسمت بارتفاع تكاليف البناء وتغيرات سعر الصرف وأسعار الفائدة.
5.2%.. توقع عالمي وليس معدل نمو لمصر
ومن النقاط التي تحتاج إلى تدقيق عند تناول توقعات نمو السوق العقارية، أن نسبة 5.2% المذكورة في بعض التقارير لا تمثل توقعًا لمعدل نمو سوق العقارات المصري.
فبحسب تحليل لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء صدر في يناير 2023، كان من المتوقع أن يسجل سوق العقارات العالمي معدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 5.2% خلال الفترة من 2022 إلى 2030، مع ارتباط هذا النمو بشكل رئيسي بالزيادة السكانية العالمية.
وبالتالي، لا يصح استخدام هذه النسبة باعتبارها توقعًا رسميًا لنمو السوق العقارية المصرية خلال الفترة نفسها.
تحديات أمام القطاع
ورغم الفرص الكبيرة التي يوفرها السوق، يواجه القطاع العقاري عددًا من التحديات، في مقدمتها ارتفاع تكلفة الأراضي ومواد البناء، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع تكلفة التمويل، وتراجع القدرة الشرائية لبعض شرائح العملاء.
كما يمثل تحقيق التوازن بين أسعار الوحدات وقدرات العملاء الشرائية تحديًا رئيسيًا أمام الشركات، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة تنفيذ المشروعات والحاجة إلى الحفاظ على معدلات مبيعات تسمح باستمرار التدفقات النقدية.
ويظل الطلب الحقيقي، وليس الطلب الاستثماري فقط، أحد المحددات الرئيسية لاتجاه السوق خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب قدرة المطورين على تقديم منتجات تتناسب مع الشرائح المختلفة من المشترين.
كيف يُقيم المستثمر الفرصة العقارية؟
في ظل هذه المتغيرات، يحتاج المستثمر إلى التعامل مع العقار باعتباره استثمارًا طويل الأجل، وعدم اتخاذ قرار الشراء بناءً على انخفاض سعري مؤقت أو عروض ترويجية فقط.
ويأتي الموقع في مقدمة عناصر تقييم العقار، يليه السعر مقارنة بالوحدات المماثلة، وجودة التنفيذ، وسجل المطور، وموقف المشروع من التراخيص والمرافق، ونظام السداد، فضلًا عن إمكانية التأجير وإعادة البيع.
كما يفضل توزيع الاستثمارات وعدم تركيز رأس المال بالكامل في أصل عقاري واحد، مع الاحتفاظ بسيولة مناسبة لتغطية المصروفات الإضافية المرتبطة بالشراء والتشغيل والصيانة.
إلى أين يتجه السوق؟
في ضوء طبيعة السوق المصرية، من الصعب الحديث عن اتجاه موحد لأسعار جميع العقارات؛ فالسوق تختلف بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى، كما تختلف حركة الأسعار بين الوحدات السكنية والتجارية والإدارية والسياحية.
ومن المرجح أن تظل الأسعار مرتبطة بصورة أساسية بتكلفة الأرض والبناء والتمويل، إلى جانب معدلات الطلب والعرض وحركة الاستثمار ومستوى الدخل والقدرة الشرائية.
وعليه، فإن أي انخفاض في أسعار بعض مدخلات البناء يمكن أن يمنح المطورين مساحة لإعادة النظر في الأسعار أو نظم السداد، لكنه لا يعني بالضرورة موجة عامة لانخفاض أسعار العقارات.
وفي المقابل، فإن استمرار الاستثمار في البنية التحتية والمدن الجديدة والمشروعات الكبرى يمكن أن يدعم النشاط العقاري، بينما يظل التحدي الأساسي أمام القطاع هو الوصول إلى نقطة توازن بين تكلفة التطوير وقدرة العملاء على الشراء.







