يمثل عجز الميزان التجاري أحد أبرز الاختلالات المزمنة في الاقتصاد المصري، مع استمرار الفجوة بين قيمة الصادرات والواردات، بما يزيد الحاجة إلى موارد النقد الأجنبي ويجعل الاقتصاد أكثر اعتمادًا على تدفقات الاستثمار وتحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع عجز الميزان التجاري السلعي إلى نحو 64.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 51 مليار دولار خلال العام المالي السابق، بزيادة 27.1%.
وارتفعت الصادرات السلعية إلى نحو 43.9 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 108.7 مليار دولار، مقارنة بصادرات بقيمة 40.2 مليار دولار وواردات بلغت 91.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج المحلي والصادرات بوتيرة أسرع، وتقليل الاعتماد على الواردات التي يمكن إحلال منتجات مصرية محلها.
ارتفع عجز الميزان التجاري غير البترولي بنسبة 25.4%، ليسجل نحو 46.6 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 37.1 مليار دولار في العام السابق.
وجاء ذلك مع ارتفاع الواردات غير البترولية إلى 83.9 مليار دولار، مقابل 71.7 مليار دولار، بينما زادت الصادرات غير البترولية إلى 37.3 مليار دولار، مقابل 34.6 مليار دولار.
وأوضح البنك المركزي أن السلع الوسيطة استحوذت على 55.2% من إجمالي الزيادة في الواردات غير البترولية، ما يعكس أهمية جزء من هذه الواردات في تشغيل المصانع والإنتاج المحلي.
وقال الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن معالجة العجز لا تعني خفض الواردات بصورة عامة، لأن بعض السلع المستوردة، مثل الخامات والمكونات، ضرورية للعملية الإنتاجية. ويظل التحدي في زيادة قدرة المصانع المصرية على توفير المنتجات محليًا ورفع تنافسية الصادرات.
كما ارتفع عجز الميزان التجاري البترولي بنسبة 31.5% إلى 18.3 مليار دولار، مقابل 13.9 مليار دولار، مع زيادة الواردات البترولية إلى 24.9 مليار دولار، مقابل 19.5 مليار دولار، وارتفاع الصادرات البترولية إلى 6.6 مليار دولار، مقابل 5.6 مليار دولار.
فائض ميزان المدفوعات لا يعني انتهاء العجز التجاري
رغم اتساع الفجوة السلعية، سجل ميزان المدفوعات المصري فائضًا كليًا بنحو 2.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل عجز قدره 2.1 مليار دولار في العام السابق.
وساهم في ذلك ارتفاع صافي التدفقات الرأسمالية والمالية إلى نحو 23.2 مليار دولار، مقابل 10.2 مليار دولار، إلى جانب زيادة صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 18 مليار دولار، مقابل 12.2 مليار دولار.
وفي المقابل، ارتفع عجز حساب المعاملات الجارية إلى 22.5 مليار دولار، مقابل 15.4 مليار دولار.
وحدّ من اتساع العجز ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 29.6% إلى 47.3 مليار دولار، وزيادة الإيرادات السياحية بنسبة 10.3% إلى 18.4 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع إيرادات قناة السويس بنسبة 21.6% إلى 4.4 مليار دولار.
وقال الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، إن تدفقات الاستثمار وإيرادات السياحة والتحويلات تدعم موارد النقد الأجنبي، لكن استدامة التحسن الخارجي تتطلب توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات، بما يقلل الاعتماد على مصادر التمويل التي قد تتأثر بالظروف الاقتصادية العالمية.
التصنيع المحلي وزيادة الصادرات
يرى خبراء أن تقليص العجز يتطلب توجيه الاستثمارات إلى قطاعات إنتاجية قادرة على إحلال بعض الواردات وزيادة الصادرات، مع تعميق التصنيع المحلي ورفع نسبة المكونات المصرية في المنتجات النهائية.
وتعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى المناطق المستهدفة لجذب الاستثمارات الصناعية والتصديرية، في قطاعات تشمل النسيج والسيارات والألياف الزجاجية.
وأشار الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إلى أهمية ربط الاستثمارات الجديدة بالموردين المحليين، وتطوير سلاسل الإمداد، ونقل التكنولوجيا، بما يرفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري. فالعائد من المصنع لا يتوقف على حجم إنتاجه أو صادراته فقط، وإنما يتأثر أيضًا بنسبة المكونات المحلية مقارنة بالمدخلات المستوردة.
وعلى صعيد دعم الصادرات، رفعت الحكومة مخصصات برنامج رد الأعباء التصديرية للعام المالي 2025/2026 إلى 45 مليار جنيه، مقابل نحو 23 مليار جنيه في العام السابق، وفق البيانات الواردة في التقرير.
وقال الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، إن فعالية الحوافز ترتبط بقدرتها على زيادة الصادرات الفعلية وتحسين تنافسية المنتجات المصرية، مع أهمية انتظام صرف المستحقات ووضوح قواعد الاستفادة منها.
وتستهدف مسودة السياسة التجارية الوطنية، بحسب تقرير الغرفة التجارية الأمريكية بالقاهرة، رفع الصادرات المصرية إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030.
النقل والأسواق الخارجية
لا ترتبط القدرة التنافسية للصادرات بتكلفة التصنيع وحدها، إذ تؤثر تكاليف النقل والشحن والتخزين والتخليص الجمركي في السعر النهائي للمنتج.
ومن ثم، يمثل تطوير النقل متعدد الوسائط وربط المناطق الصناعية بالموانئ والموانئ الجافة أحد المسارات الممكنة لخفض تكلفة حركة البضائع وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.
كما يتيح التوسع في الأسواق الإفريقية فرصًا لزيادة الصادرات المصرية، خاصة في الصناعات الهندسية ومواد البناء والكيماويات. ووفق البيانات الواردة في تقرير الغرفة التجارية الأمريكية بالقاهرة، سجل الميزان التجاري السلعي لمصر مع الدول الإفريقية فائضًا قدره 5.9 مليار دولار خلال 2025، ضمن تجارة بلغ إجماليها 9.7 مليار دولار.
لكن الاستفادة من هذه الأسواق تتطلب معالجة تحديات النقل والتمويل والتأمين، ومساعدة الشركات على استيفاء المواصفات الفنية وبناء شبكات توزيع مستقرة.
تقليص العجز يتطلب نمو الصادرات بوتيرة أسرع
توضح بيانات البنك المركزي أن الصادرات السلعية ارتفعت بنحو 3.7 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بينما زادت الواردات بنحو 17.5 مليار دولار، وهو ما أدى إلى اتساع العجز التجاري.
وتشير هذه الفجوة إلى أن زيادة موارد النقد الأجنبي، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلال التجاري. فالمطلوب هو زيادة الإنتاج المحلي القابل للتصدير، وتطوير الصناعات المغذية، ورفع القيمة المضافة المحلية، وتحسين كفاءة النقل والخدمات اللوجستية، مع توجيه الحوافز إلى القطاعات القادرة على تحقيق نمو مستدام في الصادرات.
ويظل التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد المصري هو تحويل الاستثمارات الجديدة والإنفاق على البنية التحتية إلى طاقة إنتاجية أكبر، بحيث تنمو الصادرات بوتيرة أسرع من الواردات، ويتراجع الاعتماد على الخارج في السلع التي يمكن إنتاجها محليًا بصورة تنافسية.







