في خطوة تعكس توجه الدولة نحو إعادة صياغة المنظومة الضريبية على أسس أكثر اعتمادًا على الرقمنة وتبسيط الإجراءات، افتتح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مركز الخدمات الضريبية المميزة بمدينة العلمين الجديدة، بالتزامن مع إطلاق تطبيق إلكتروني لخدمات التصرفات العقارية، في إطار جهود تستهدف تقليل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، ورفع كفاءة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين.
وشهد افتتاح المركز حضور أحمد كجوك، وزير المالية، والدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، ورشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، ورامي يوسف، مساعد وزير المالية للسياسات والتطوير الضريبي، وإبراهيم سرحان، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «إي فاينانس»، وخالد عبد الغني، الرئيس التنفيذي لشركة «إي.تاكس».
وتأتي الخطوة في توقيت تزداد فيه أهمية تبسيط الإجراءات الحكومية باعتبارها أحد العناصر المؤثرة في تنافسية بيئة الأعمال وجاذبية الاستثمار، خاصة مع توجه الدولة إلى تحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع قاعدة الممولين، ورفع معدلات الامتثال الضريبي، بما يسمح بزيادة كفاءة تحصيل الإيرادات العامة دون أن يكون رفع الأعباء الضريبية هو الأداة الوحيدة لزيادة الحصيلة.
ويعكس تطوير المنظومة الضريبية تحولًا تدريجيًا في فلسفة التعامل مع الممول والمستثمر، من التركيز التقليدي على التحصيل والإجراءات إلى نموذج أكثر اهتمامًا بجودة الخدمة وسهولة الامتثال. وهذا التحول لا يرتبط فقط بتقديم خدمات إلكترونية بديلة عن الإجراءات الورقية، وإنما يستهدف إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومجتمع الأعمال على أساس من الوضوح والسرعة وتقليل تكلفة التعامل.
وعقب افتتاح مركز الخدمات الضريبية المميزة بمدينة العلمين الجديدة، أكد رئيس مجلس الوزراء التزام الحكومة باستكمال مسار تطوير المنظومة الضريبية، مع التركيز على ترسيخ ما وصفه بـ«ثقافة خدمة العملاء»، بما يسهم في تيسير الإجراءات أمام المواطنين والمستثمرين.
وأشار مدبولي إلى أن تحسين مستوى الخدمات يأتي ضمن جهود الدولة لتهيئة بيئة أعمال أكثر جذبًا للاستثمارات، بالتوازي مع استمرار الإصلاحات الضريبية وتقديم المزيد من التسهيلات والحوافز، بما يدعم الثقة بين الحكومة والمستثمرين والممولين.
وفي السياق نفسه، شهد رئيس مجلس الوزراء إطلاق تطبيق إلكتروني لخدمات التصرفات العقارية، في خطوة تستهدف نقل جانب من الإجراءات المرتبطة بالمعاملات العقارية إلى البيئة الرقمية، وتوفير خدمات أسرع وأكثر سهولة للمواطنين والمتعاملين في السوق.
ويحظى هذا التطور بأهمية خاصة في ظل الوزن الكبير للقطاع العقاري داخل الاقتصاد المصري، وارتباطه بمجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب كثافة التعاملات والإجراءات المرتبطة بعمليات بيع ونقل ملكية العقارات والتصرف فيها.
وأكد وزير المالية أن التطبيق الجديد يستهدف تقديم خدمات أسرع وأسهل للمواطنين، في إطار توجه الوزارة نحو تطوير الخدمات الضريبية والاعتماد بصورة أكبر على الحلول الرقمية.
ولا تقتصر أهمية رقمنة التصرفات العقارية على اختصار الوقت الذي يحتاجه المواطن لإنجاز معاملته، وإنما تمتد إلى تحسين كفاءة إدارة البيانات وتقليل الاعتماد على المستندات الورقية، وتعزيز قدرة الجهات الحكومية على متابعة التعاملات وتبادل المعلومات بصورة أكثر دقة وتنظيمًا.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يمثل التحول الرقمي في هذا المجال خطوة نحو زيادة الشفافية ورفع كفاءة التعاملات، خاصة إذا تم استكمال الربط الإلكتروني بين الجهات الحكومية ذات الصلة، وتوحيد قواعد البيانات والإجراءات، بما يقلل احتمالات تكرار البيانات أو اختلافها بين جهة وأخرى.
وأكد أحمد كجوك أن «التسهيل والتبسيط» يمثلان محورًا أساسيًا في تطوير المنظومة الجديدة، مشيرًا إلى العمل على منظومة ضريبية إلكترونية متكاملة تستهدف ميكنة الإجراءات وتيسير التعاملات.
ويحمل هذا التوجه بعدًا يتجاوز تحسين الخدمة إلى دعم الامتثال الضريبي. فكلما أصبحت إجراءات التسجيل والإقرار والسداد والحصول على الخدمات أكثر سهولة ووضوحًا، زادت احتمالات التزام الممول طوعيًا، بينما يؤدي تعقيد الإجراءات إلى زيادة تكلفة الامتثال، وقد يمثل عائقًا أمام دخول بعض الأنشطة إلى الاقتصاد الرسمي.
ومن هنا، فإن الرقمنة يمكن أن تؤدي دورًا مزدوجًا؛ فهي من ناحية تقلل العبء الإداري الواقع على الممول، ومن ناحية أخرى تمنح الإدارة الضريبية قدرة أكبر على تحليل البيانات وربط المعلومات واكتشاف التباينات، بما يعزز كفاءة الفحص والتحصيل دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة الضغط على الممولين الملتزمين.
كما أن توسيع قاعدة الممولين يمثل أحد الأهداف الرئيسية للإصلاحات الجارية، إذ إن زيادة الحصيلة الضريبية لا تعتمد فقط على زيادة الضرائب أو رفع معدلاتها، وإنما يمكن تحقيق جانب مهم منها من خلال إدخال أنشطة جديدة إلى الاقتصاد الرسمي، وتحسين معدلات الالتزام، وتقليص الفجوات الناتجة عن ضعف التسجيل أو عدم اكتمال البيانات.
وفي هذا الإطار، أكدت رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، أن المصلحة تعمل على توسيع قاعدة الممولين من خلال بناء جسور الثقة مع المجتمع الضريبي، مع التأكيد على الاهتمام بتفاصيل الخدمة لضمان إحداث تحسن ملموس يشعر به المتعاملون.







