كتبت/ أميرة فخري
تدخل مصر السنوات المقبلة وسط توقعات بتحسن تدريجي في عدد من المؤشرات الاقتصادية، مع اتجاه معدلات النمو إلى الارتفاع، والتضخم إلى التراجع، بالتزامن مع تحسن متوقع في الاحتياطيات الدولية وتدفقات النقد الأجنبي.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى إمكانية وصول معدل نمو الاقتصاد المصري إلى نحو 4.4% بنهاية يونيو 2027، على أن يرتفع إلى حوالي 5% في العام المالي التالي، بينما يُتوقع أن يسلك التضخم مسارًا هبوطيًا من مستوياته الحالية وصولًا إلى 13.2% بنهاية العام المالي الجاري، ثم يقترب من مستويات أحادية الرقم خلال السنوات التالية.
وبحسب التقديرات، قد ينخفض معدل التضخم إلى نحو 5.3% بحلول العام المالي 2030-2031، وهو ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في البيئة الاقتصادية، حال استمرار السياسات والإصلاحات الداعمة للاستقرار النقدي والمالي.
ارتفاع متوقع للاحتياطي الأجنبي
ومن أبرز التطورات المنتظرة استمرار تحسن وضع مصر من حيث الاحتياطيات الدولية، إذ تتوقع تقديرات الصندوق ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى نحو 67.5 مليار دولار خلال العام الحالي، مع إمكانية تجاوزه مستوى 73 مليار دولار بحلول 2030.
ويعتمد هذا التحسن بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد المصري على زيادة موارده المستدامة من العملة الأجنبية، خاصة مع توقعات تعافي عدد من القطاعات الرئيسية المولدة للدولار.
قناة السويس تعود تدريجيًا إلى مسار التعافي
وتأتي قناة السويس ضمن أبرز الملفات المرتبطة بمستقبل تدفقات النقد الأجنبي، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاع إيراداتها من نحو 4.1 مليار دولار حاليًا إلى حوالي 5 مليارات دولار خلال العام المالي المقبل.
ومع تحسن الظروف المرتبطة بحركة الملاحة الدولية، يمكن أن تستعيد القناة مستويات أعلى من الإيرادات تدريجيًا، لتصل وفق التقديرات إلى نحو 11 مليار دولار بحلول نهاية العقد.
ويعني ذلك أن عودة حركة التجارة العالمية إلى طبيعتها ستكون أحد العوامل المؤثرة في قدرة مصر على تعزيز مواردها الدولارية وتقليص الضغوط على سوق الصرف.
السياحة تدعم حصيلة النقد الأجنبي
ولا تقتصر التوقعات الإيجابية على قناة السويس، إذ يُنتظر أن يواصل القطاع السياحي لعب دور رئيسي في دعم الاقتصاد المصري.
وتشير التقديرات إلى إمكانية ارتفاع الإيرادات السياحية من نحو 20 مليار دولار إلى قرابة 30 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بزيادة أعداد السائحين وتوسع الطاقة الفندقية وتحسن حركة السياحة الدولية إلى مصر.
ويمثل هذا التطور أهمية خاصة، نظرًا لأن السياحة تعد من أكثر مصادر العملة الأجنبية استدامة، إلى جانب تحويلات المصريين العاملين بالخارج والصادرات والاستثمار الأجنبي.
الطروحات الحكومية تفتح بابًا جديدًا للتدفقات الدولارية
وفي محاولة لتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتوفير موارد إضافية، تراهن الحكومة المصرية على مواصلة برنامج الطروحات الحكومية ومبيعات الأصول.
وتشير التقديرات إلى إمكانية جذب نحو 6.7 مليار دولار من خلال شركاء دوليين وصفقات مرتبطة ببرنامج الطروحات، في وقت تستعد فيه الدولة لتحركات جديدة في هذا الملف.
ومن بين الشركات المستهدفة شركة مصر لتأمينات الحياة، مع اتجاه لطرح نحو 20% من أسهمها، بالتوازي مع مباحثات بشأن إمكانية دخول البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بحصة تصل إلى 5% قبل تنفيذ الطرح.
الدين الخارجي يظل نقطة ضغط
في المقابل، لا تخلو الصورة الاقتصادية من تحديات، يأتي في مقدمتها ارتفاع حجم الالتزامات الخارجية واحتياجات التمويل.
وأظهرت أحدث بيانات البنك المركزي المصري وصول إجمالي الدين الخارجي إلى حوالي 164.8 مليار دولار في نهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 163.9 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025.
وتوزعت الالتزامات الخارجية بين نحو 134.3 مليار دولار ديونًا طويلة الأجل و30.5 مليار دولار ديونًا قصيرة الأجل.
وتستحوذ الحكومة على النصيب الأكبر من هذه الالتزامات، بنحو 82.8 مليار دولار، بينما تصل ديون البنك المركزي إلى حوالي 35.8 مليار دولار.
ورغم ضخامة الرقم، فإن الحكم على قدرة الاقتصاد على تحمل الدين لا يعتمد على حجم المديونية وحده، وإنما يشمل أيضًا حجم الناتج المحلي، وتكلفة خدمة الدين، وآجال الاستحقاق، وحجم الموارد الدولارية المتاحة.
خدمة الدين تفرض ضغوطًا على الموازنة
وتبرز خدمة الدين باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمالية العامة، خاصة بعدما استحوذت على نحو 52% من إجمالي المصروفات الحكومية خلال أول 11 شهرًا من العام المالي الماضي، وفق البيانات الواردة في المادة.
ويعني ارتفاع تكلفة خدمة الدين تقلص المساحة المتاحة أمام الحكومة لزيادة الإنفاق الاستثماري والاجتماعي، ما يجعل خفض أعباء الدين هدفًا رئيسيًا خلال المرحلة المقبلة.
وتشير التقديرات إلى إمكانية وصول الاحتياجات التمويلية إلى ذروة تعادل نحو 42% من الناتج المحلي الإجمالي قبل أن يبدأ مسار الدين العام في الانخفاض تدريجيًا، وصولًا إلى حوالي 71% من الناتج بحلول 2030، مقارنة بنحو 82% حاليًا.
هل تتحول الأزمة إلى فرصة؟
الرهان الأساسي أمام الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة لا يتعلق فقط بتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإنما بمدى قدرة هذا النمو على توليد موارد دولارية حقيقية، فارتفاع الناتج المحلي مع زيادة الصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي وإيرادات قناة السويس يمكن أن يساعد مصر على تحسين قدرتها على سداد التزاماتها الخارجية وتقليل الاعتماد على الاقتراض.
أما إذا ظل النمو معتمدًا بدرجة كبيرة على تدفقات استثنائية أو تمويل خارجي، فإن الضغوط المتعلقة بالدين والسيولة الدولارية ستظل قائمة رغم تحسن بعض المؤشرات.
التحسن لا يعني انخفاض الأسعار
ومن المهم التفرقة بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض الأسعار نفسها.
فإذا تراجع التضخم من مستويات مرتفعة إلى 13% ثم إلى مستويات أحادية الرقم، فهذا يعني أن وتيرة ارتفاع الأسعار أصبحت أبطأ، وليس أن الأسعار ستعود إلى مستوياتها السابقة، وبالتالي، فإن التأثير الحقيقي على المواطن سيعتمد على مدى تراجع التضخم مقارنة بمعدلات نمو الأجور والدخول، إلى جانب استقرار سعر الصرف وأسعار السلع والخدمات الأساسية.
مصر أمام اختبار الاستدامة
وتشير الصورة الإجمالية إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصًا واضحة للتحسن خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع ارتفاع الاحتياطيات المتوقعة، وتعافي السياحة، وتحسن إيرادات قناة السويس، واستمرار برنامج الطروحات، لكن في المقابل، تبقى فاتورة الدين واحتياجات التمويل والحفاظ على تدفقات دولارية مستقرة أبرز الاختبارات التي ستحدد مدى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا المسار.
وبعبارة أخرى، فإن التحدي لم يعد فقط في تجاوز أزمة السيولة، وإنما في بناء اقتصاد قادر على توليد العملة الأجنبية من الإنتاج والتصدير والاستثمار والسياحة، بما يسمح بخفض الاعتماد على الاقتراض تدريجيًا وتحويل تحسن المؤشرات الكلية إلى استقرار اقتصادي يشعر المواطن بآثاره بصورة مباشرة.






