تدخل خطة الطروحات الحكومية مرحلة جديدة مع استهداف تحقيق حصيلة تبلغ 12 مليار دولار من عمليات التخارج حتى عام 2030، في وقت تستعد فيه سوق المال لاستقبال مجموعة من الطروحات المرتقبة، وسط تساؤلات حول توقيت التنفيذ وقدرة السوق على استيعاب الإصدارات الجديدة وتسعيرها بصورة تحقق المستهدف وتحافظ في الوقت نفسه على قيمة الأصول المطروحة.
ويأتي المستهدف الجديد في إطار الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة «تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر 2026-2030»، التي أطلقتها الحكومة في يونيو الماضي، قبل أن يوافق مجلس الوزراء في سبتمبر على مقترح الخطة التنفيذية التفصيلية للوثيقة، والتي تتضمن 31 برنامجًا رئيسيًا ونحو 100 إجراء تنفيذي.
وتضع الخطة الحكومية معادلة دقيقة بين سرعة تنفيذ الطروحات واختيار التوقيت المناسب، خاصة مع استمرار تأثر قرارات الاستثمار بحركة الأسواق العالمية والتطورات الاقتصادية والجيوسياسية.
ويرى متعاملون في سوق المال أن الوصول إلى المستهدف لا يتوقف فقط على حجم الأصول القابلة للطرح، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على اختيار التوقيت الملائم، ووضع تسعير جاذب للمستثمرين، والترويج الجيد للطروحات بما يضمن تغطيتها وتحقيق حصيلة مناسبة دون الإضرار بقيمة الأصول.
5.9 مليار دولار حصيلة التخارج حتى 2025
وأظهرت أحدث نتائج متابعة تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة ارتفاع العوائد التراكمية لعمليات التخارج من نحو 3.23 مليار دولار في النصف الثاني من 2022 إلى نحو 5.986 مليار دولار في النصف الثاني من 2025، بزيادة بلغت 85.2%.
وكانت وتيرة نمو الحصيلة أكثر سرعة خلال الفترة من النصف الثاني من 2022 وحتى النصف الثاني من 2023، قبل أن تتباطأ خلال الفترة التالية حتى نهاية 2025.
وسجل مؤشر أداء تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة 134.9 نقطة في النصف الثاني من 2025، مقابل 133.3 نقطة خلال النصف الأول من العام، بزيادة 1.6 نقطة، بما يعكس تحسنًا نسبيًا في مستوى التنفيذ.
ويستند المؤشر إلى ثلاثة محاور رئيسية تشمل متابعة تنفيذ الوثيقة، وتحسين مناخ الأعمال، وقياس التأثير الاقتصادي، بأوزان نسبية تبلغ 60% و20% و20% على التوالي.
وتأتي هذه النتائج في وقت انتقلت فيه الحكومة إلى مرحلة تنفيذ أكثر تفصيلًا لسياسة ملكية الدولة، مع إعداد برامج وإجراءات محددة لإدارة محفظة الشركات والأصول المملوكة للدولة وتعظيم العائد الاقتصادي منها.
مسعود: 2027 و2028 قد تستحوذان على النصيب الأكبر
قال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفيست لتداول الأوراق المالية، إن مستهدف الـ12 مليار دولار حتى 2030 قابل للتحقيق، مشيرًا إلى أن الحكومة تمتلك فترة زمنية كافية لتنفيذ البرنامج، وقد تتمكن من تحقيق حصيلة تتجاوز الرقم المستهدف.
وأوضح أن هناك طروحات حكومية مرتقبة قبل نهاية العام الحالي، من بينها بنك القاهرة وشركة مصر لتأمينات الحياة، مشيرًا إلى أن العمل على الطرحين وصل إلى مراحل متقدمة.
وأضاف أن «مصر لتأمينات الحياة» قد تكون الأسرع في التنفيذ، في حين يحتاج بنك القاهرة إلى استكمال عدد من الإجراءات المرتبطة بالحوكمة والتجهيز للطرح.
ويرى مسعود أن التسعير وحجم الشريحة المطروحة سيكونان من أهم العوامل المحددة لنجاح الطروحات المقبلة، موضحًا أن مؤشرات السوق تشير إلى إمكانية تقديم أسعار جاذبة للمستثمرين.
وتوقع أن يستحوذ عامَا 2027 و2028 على النصيب الأكبر من عمليات الطرح، مع ارتفاع قاعدة المستثمرين في البورصة، وهو ما قد يوسع قدرة السوق على استيعاب الطروحات الحكومية.
وأشار إلى أن القطاعات المصرفية والزراعية والعقارية تأتي في مقدمة القطاعات المرشحة لتحقيق جانب مهم من حصيلة التخارج، موضحًا أن الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى التخارج من أكبر شركاتها لتحقيق المستهدف، في ظل امتلاك بعض الشركات الحكومية محافظ أراضٍ وأصولًا يمكن الاستفادة منها.
حامد: التوقيت والتسعير والترويج عوامل حاسمة
وقالت رندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن مستهدف الـ12 مليار دولار يظل طموحًا وقابلًا للتحقيق، إلا أن الوصول إليه يرتبط بدرجة كبيرة بظروف الأسواق وقدرة الدولة على تنفيذ الطروحات في التوقيت المناسب وبالتسعير الملائم.
وأضافت أن تأجيل بعض الطروحات لا يعني التخلي عن البرنامج، موضحة أن الربع الأخير من العام الحالي يمثل فترة مهمة مع ترقب تحركات بشأن بنك القاهرة و«مصر لتأمينات الحياة».
وترى حامد أن نجاح طرح «إم إن تي حالًا» في جذب المستثمرين الأجانب يمكن أن يقدم مؤشرًا على شهية الاستثمار تجاه السوق المصرية وقدرتها على استيعاب طروحات جديدة.
وأوضحت أن التأجيل قد يمتد إلى الربع الأول من 2027 إذا لم تتوافر ظروف السوق المناسبة، مؤكدة أن نجاح أي طرح يعتمد بصورة رئيسية على التسعير، والترويج، والقدرة على جذب المستثمرين.
وشددت على أن الدولة لا تستهدف التخارج من أصولها بأسعار منخفضة، ما يجعل التسعير بمعدل خصم مناسب مع الحفاظ على قيمة الأصول من أكثر الملفات حساسية في أي طرح حكومي.
عوني: المستهدف قابل للتحقيق
وقال سيف عوني، العضو المنتدب لشركة إيلين للاستشارات المالية، إن مستهدف الـ12 مليار دولار ليس صعب التحقيق، مشيرًا إلى أن الحصيلة موزعة على عدة سنوات، ما يخفف الضغط على السوق مقارنة بتنفيذها في فترة زمنية قصيرة.
وأوضح أن الطروحات الكبيرة، مثل بنك القاهرة، يمكن أن توفر جزءًا ملموسًا من الحصيلة المستهدفة، إلا أن تكرار تأجيل الطروحات يحمل تأثيرين متباينين؛ فمن ناحية يسمح للحكومة باختيار التوقيت الأفضل، ومن ناحية أخرى قد يثير تساؤلات لدى بعض المستثمرين حول أسباب التأجيل.
ويرى عوني أن ظروف الأسواق العالمية والتوترات الجيوسياسية ستكون من أبرز العوامل المؤثرة في قدرة الحكومة على تنفيذ البرنامج خلال السنوات المقبلة، خاصة أن الطروحات الحكومية تحتاج إلى سوق مستقرة نسبيًا لضمان التسعير والتغطية.
فهمي: عدم اليقين العالمي أبرز التحديات
وقال هيثم فهمي، مدير حسابات العملاء بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن مستهدف الـ12 مليار دولار قابل للتحقيق، لكنه حذر من أن الظروف الخارجية قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في مسار البرنامج خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن حالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمي تدفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم، بينما تمثل التوترات الجيوسياسية عامل ضغط إضافيًا على تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة.
وأشار إلى أن ارتفاع عوائد أدوات الدين الأمريكية قد يزيد المنافسة على السيولة العالمية، ويدفع جزءًا من رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية على حساب بعض الأسواق الناشئة.
وأضاف أن طول الفترة الزمنية حتى 2030 يجعل من الصعب تحديد جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر على برنامج الطروحات مسبقًا، إذ قد تتغير ظروف الأسواق وأسعار الفائدة وحركة رؤوس الأموال بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
الطروحات بين سرعة التنفيذ وحماية قيمة الأصول
وتكشف آراء المتعاملين أن التحدي الرئيسي أمام برنامج التخارج لا يتمثل فقط في توفير أصول يمكن طرحها، وإنما في تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف متزامنة: توفير حصيلة دولارية للدولة، والحفاظ على القيمة العادلة للأصول، وضمان قدرة السوق على استيعاب الطروحات دون ضغط مفرط على السيولة.
وتشير التجربة السابقة إلى أن تنفيذ برنامج التخارج لا يسير بوتيرة ثابتة، إذ سجلت الحكومة بالفعل عمليات تخارج بقيمة تقارب 6 مليارات دولار حتى النصف الثاني من 2025، بينما يستهدف الإصدار الجديد تعميق مشاركة القطاع الخاص وتعظيم العائد على محفظة الأصول الحكومية حتى 2030.
وبالتالي، تبدو السنوات المقبلة اختبارًا لقدرة برنامج الطروحات على الانتقال من مجرد إعلان الأصول المستهدفة إلى تنفيذ عمليات متتابعة بتوقيتات وتسعيرات قادرة على جذب المستثمرين، دون أن تتحول الحاجة إلى الحصيلة إلى ضغط يدفع نحو بيع الأصول بأقل من قيمتها.







