تراجعت واردات مصر من القمح بنحو 65% خلال الربع الثالث من 2026، لتسجل نحو 1.3 مليون طن، وسط اضطرابات متزايدة في منطقة البحر الأسود وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بعد موجة شراء قوية نفذتها الحكومة خلال النصف الأول من العام لتأمين احتياجات السوق والتحوط من مخاطر اضطراب الإمدادات.
وبحسب وثيقة رسمية اطلعت عليها «الشرق بلومبرج»، تأثرت حركة واردات القمح خلال الربع الثالث بتجدد التوترات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، بالتزامن مع المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس على تدفقات القمح وتكلفة وصوله إلى السوق المصرية. وتظهر بيانات أحدث أن واردات مصر من القمح خلال سبتمبر وحده تراجعت 76.6% على أساس سنوي إلى نحو 362.5 ألف طن، مقابل 1.55 مليون طن في سبتمبر 2025.
توقف المشتريات الحكومية
قال مسؤول حكومي إن الهيئة العامة للسلع التموينية وجهاز مستقبل مصر لم يستوردا شحنات من القمح منذ مايو الماضي، وقد يستمر توقف المشتريات الحكومية حتى نوفمبر المقبل، لتقتصر الواردات خلال هذه الفترة على القطاع الخاص.
ويأتي ذلك بعد زيادة ملحوظة في مشتريات مصر خلال النصف الأول من العام، إذ ارتفعت الواردات خلال تلك الفترة بنحو 48% إلى 7.7 مليون طن، في إطار تحركات استهدفت تعزيز المخزون تحسبًا لاستمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على سلاسل الإمداد.
وتشير بيانات أخرى إلى أن واردات مصر خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026 بلغت نحو 9.026 مليون طن، بزيادة 1.9% عن الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعني أن التراجع الحاد خلال الربع الثالث جاء بعد بداية قوية للواردات وليس نتيجة انخفاض مستمر منذ بداية العام.
وتكشف أرقام سبتمبر بصورة أوضح عن طبيعة التباطؤ، إذ لم تتلق الهيئة العامة للسلع التموينية أي شحنات خلال الشهر، بينما جاءت الواردات من القطاع الخاص، مع استمرار حالة الحذر لدى المستوردين بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف النقل.
روسيا وأوكرانيا في صدارة الموردين
تعتمد مصر بدرجة كبيرة على منطقة البحر الأسود لتوفير احتياجاتها من القمح، وتأتي روسيا وأوكرانيا في مقدمة مصادر الواردات، ما يجعل السوق المحلية شديدة التأثر بأي اضطرابات في الإنتاج أو التصدير أو حركة السفن.
وخلال سبتمبر، استحوذت روسيا على نحو 39.4% من واردات مصر من القمح، بما يعادل 142.7 ألف طن، تلتها أوكرانيا بنحو 132.8 ألف طن، وبحصة 36.6%، ثم رومانيا بنحو 55.7 ألف طن وكندا بنحو 31.4 ألف طن.
وتزامن ذلك مع اضطرابات في حركة صادرات الحبوب عبر البحر الأسود، إلى جانب ارتفاع مخاطر النقل والتأمين. وكانت تقارير سوقية قد أشارت في سبتمبر إلى تراجع إقبال المستوردين على الشراء، في ظل ارتفاع تكلفة القمح والشحن، وانتظار بعض المشترين لانخفاض محتمل في الأسعار قبل تكوين مخزونات جديدة.
أسعار القمح تقفز.. والمستوردون يترقبون
قال هشام سليمان، مدير شركة «ميدترنين ستار» لتجارة واستيراد الحبوب، إن أسعار القمح العالمية ارتفعت بنحو 34% إلى حوالي 315 دولارًا للطن، مقابل نحو 235 دولارًا في الفترة نفسها من العام الماضي، مع تصاعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع مخاطر عبور السفن في البحر الأسود.
وتشير بيانات السوق الأحدث إلى أن الأسعار ارتفعت من نحو 245 دولارًا للطن في بداية يوليو إلى مستويات قاربت 320 دولارًا، وهو ما دفع عددًا من المستوردين إلى تقليص مشترياتهم، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة التمويل وتراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار.
وأوضح سليمان أن المستوردين يواجهون معادلة صعبة؛ فمن ناحية، فإن شراء كميات كبيرة عند المستويات السعرية الحالية يرفع تكلفة المخزون، ومن ناحية أخرى، فإن أي تهدئة في الحرب الروسية الأوكرانية قد تدفع الأسعار العالمية إلى التراجع سريعًا.
وتوقع أن يؤدي التوصل إلى تسوية بين روسيا وأوكرانيا إلى انخفاض أسعار القمح بنحو 50 دولارًا للطن، وهو ما قد يعرّض المستوردين الذين يشترون كميات كبيرة بالأسعار الحالية لخسائر في قيمة المخزون.
القمح المحلي يخفف ضغط الاستيراد
يسهم توافر محصول القمح المحلي في تخفيف احتياجات مصر من الواردات خلال الفترة الحالية، إذ تسلمت الحكومة نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال الموسم الجاري، مع زيادة المساحات المزروعة إلى نحو 3.7 مليون فدان.
ويبدأ موسم زراعة القمح في مصر عادة من منتصف نوفمبر وحتى نهاية يناير، بينما يمتد موسم الحصاد من منتصف أبريل إلى منتصف أغسطس، ما يوفر للمطاحن والسوق المحلية جزءًا من الاحتياجات خلال الفترة التي تشهد حاليًا تباطؤًا في الواردات.
وقال سليمان إن ارتفاع كميات القمح المحلي التي وردتها الحكومة هذا العام ساعد في تقليل الاحتياجات من الاستيراد خلال الأشهر الأخيرة، متوقعًا أن تبلغ واردات مصر من القمح نحو 12 مليون طن بنهاية 2026، بانخفاض يقارب 9% عن العام السابق.
وكانت واردات مصر من القمح قد تراجعت بنحو 8% خلال 2025 إلى 13.2 مليون طن، بحسب البيانات الواردة في المصدر، بينما أظهرت بيانات أحدث أن إجمالي الواردات خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 لا يزال أعلى قليلًا من مستواه في الفترة المقابلة من العام الماضي.
وتظل مصر من أكبر مستوردي القمح عالميًا، ما يجعل أي تغير في وتيرة مشترياتها مؤثرًا في سوق الحبوب الدولية، خصوصًا عندما يتزامن تراجع الطلب مع اضطرابات في أحد أهم مراكز التصدير العالمية. وفي الوقت الحالي، تبدو حركة الاستيراد المصرية محكومة بمعادلة مزدوجة: مخزون محلي يساعد على تقليل الاحتياجات الفورية، وأسعار عالمية مرتفعة تدفع المستوردين إلى تأجيل قرارات الشراء انتظارًا لاتضاح اتجاه السوق.







