لم يعد التصعيد التجاري بين كندا وأمريكا مجرد خلاف ثنائي حول الرسوم الجمركية، بل تحول إلى مصدر تهديد بإعادة رسم خريطة التجارة العالمية، فمع إعلان كندا فرض رسوم انتقامية على نحو 700 منتج أمريكي، تصل في بعض الحالات إلى 50%، تتسع دائرة المواجهة، بينما تزداد المخاوف من انتقال تداعياتها إلى الأسواق العالمية.
وتستهدف الإجراءات الكندية سلعًا أمريكية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، تشمل منتجات من الصلب والألومنيوم والأثاث والملابس والأغذية والأجهزة والإلكترونيات، على أن تدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر المقبل، وتأتي هذه الخطوة ردًا على الرسوم الأمريكية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على منتجات كندية، في تصعيد يهدد واحدة من أكثر العلاقات التجارية تكاملًا في العالم.
سلاسل الإمداد في مرمى النيران
أبرز المخاطر العالمية للحرب التجارية تتمثل في اضطراب سلاسل الإمداد، فالشركات في الولايات المتحدة وكندا تعتمد على تدفق المكونات والمواد الخام عبر الحدود، خاصةً في صناعات السيارات والطاقة والمعادن.
ومع ارتفاع الرسوم، ترتفع تكلفة استيراد المكونات، ما قد يدفع الشركات إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية أو البحث عن موردين وأسواق بديلة، وإذا امتد التصعيد إلى السيارات وقطع الغيار، فإن التأثير سيكون أكبر، نظرًا لطبيعة الصناعة التي تعبر فيها المكونات الحدود عدة مرات قبل وصول السيارة إلى المستهلك.
ولا يقتصر الأمر على البلدين، فالشركات العالمية التي تعتمد على سلاسل إنتاج مرتبطة بأمريكا الشمالية قد تضطر أيضًا إلى إعادة ترتيب عملياتها، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأجيل بعض الاستثمارات.
الأسعار العالمية تحت الضغط
الحرب التجارية قد تضيف ضغوطًا جديدة على التضخم العالمي، فعندما تفرض دولة رسومًا على الواردات، يتحمل المستورد جزءًا من التكلفة، ثم تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى الشركات والمستهلكين.
وفي حال اتساع نطاق الرسوم الأمريكية والكندية، قد ترتفع أسعار مجموعة من السلع الصناعية والاستهلاكية، من المعادن والأجهزة إلى السيارات والملابس والأغذية.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا إذا ردت دول أخرى بإجراءات مماثلة لحماية صناعاتها المحلية، لتدخل التجارة العالمية في دائرة من الرسوم والرسوم المضادة، بما يرفع تكلفة السلع ويحد من حركة التجارة.
تهديد للنمو والاستثمار
الحروب التجارية لا تؤثر فقط في الأسعار، وإنما تضرب كذلك ثقة المستثمرين، فالشركات تحتاج إلى بيئة تجارية مستقرة لاتخاذ قرارات طويلة الأجل بشأن المصانع والتوظيف وسلاسل التوريد.
ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الرسوم، قد تؤجل الشركات استثمارات جديدة أو تنقل جزءًا من عملياتها إلى دول أخرى، وهو ما قد يضعف معدلات النمو في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، كما أن انخفاض التجارة العالمية يمكن أن يضغط على اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على التصدير، خصوصًا الدول الصناعية التي ترتبط شركاتها بسلاسل توريد عالمية.
العالم أمام خريطة تجارية جديدة
الأزمة بين واشنطن وأوتاوا تأتي في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي بالفعل تحولات كبيرة في التجارة والاستثمار، وإذا استمرت الولايات المتحدة في استخدام الرسوم كأداة تفاوض، وردت الدول الأخرى بالمثل، فقد تتجه الأسواق إلى مزيد من التكتلات التجارية والإقليمية، وقد تستفيد بعض الدول من هذا التحول عبر جذب استثمارات تبحث عن أسواق بديلة ومواقع إنتاج أقل تكلفة، لكن المكاسب لن تكون مجانية؛ إذ تحتاج الشركات إلى سنوات لإعادة بناء سلاسل الإمداد، بينما تتحمل الاقتصادات تكلفة الانتقال.
ويرى محللون أن الحرب التجارية بين كندا وأمريكا قد تبدأ برسوم على 700 منتج، لكنها تحمل تأثيرًا يتجاوز حدود البلدين، فكل زيادة في الرسوم تعني تكلفة إضافية، وكل رد انتقامي يزيد حالة عدم اليقين، ومع اتساع دائرة المواجهة يصبح الاقتصاد العالمي أمام خطر تباطؤ التجارة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الاستثمار، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد.







