كتبت/ أميرة فخري
مع تصاعد التحذيرات الدولية من عودة ظاهرة «النينيو» بقوة خلال الفترة المقبلة، تتزايد المخاوف من دخول العالم مرحلة من الاضطرابات المناخية قد تكون الأشد منذ سنوات. فالتوقعات الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي تشير إلى احتمالات مرتفعة لتطور الظاهرة إلى «سوبر نينيو»، وهي النسخة الأكثر شدة وتأثيرًا، بما يفتح الباب أمام موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية والغذائية والطاقة تمتد آثارها إلى مختلف دول العالم، ومن بينها مصر.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل المؤشرات التي تؤكد تسجيل درجات حرارة سطح البحار مستويات قياسية، إلى جانب توقعات العلماء بأن يشهد عاما 2026 و2027 أعلى درجات حرارة في التاريخ الحديث، نتيجة تزامن الاحترار العالمي مع وصول ظاهرة النينيو إلى ذروتها.
ولا تقتصر خطورة الظاهرة على كونها حدثًا مناخيًا دوريًا، بل أصبحت تمثل متغيرًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يفرض نفسه على أجندة الحكومات والمؤسسات الدولية، لما لها من تأثير مباشر على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتضخم العالمي.
النينيو.. محرك خفي للمناخ العالمي
تُعد ظاهرة النينيو أحد أهم الأنظمة المناخية الطبيعية التي تتحكم في حالة الطقس على مستوى العالم، وتنشأ نتيجة ضعف الرياح التجارية فوق المحيط الهادئ، بما يسمح بانتقال كميات ضخمة من المياه الدافئة نحو السواحل الغربية للأمريكتين، وهو ما يعيد تشكيل حركة التيارات الهوائية وأنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مختلف القارات.
وعلى الجانب الآخر، تمثل «النينيا» المرحلة الباردة من الدورة نفسها، حيث تنخفض درجات حرارة سطح المياه نتيجة قوة الرياح التجارية، لتؤدي إلى ظروف مناخية مختلفة تمامًا.
لكن ما يثير القلق هذه المرة هو الحديث عن احتمال تطور الظاهرة إلى «سوبر نينيو»، وهي المرحلة التي ترتفع خلالها حرارة مياه المحيط الهادئ بأكثر من درجتين مئويتين فوق متوسطها الطبيعي، وهو مستوى ارتبط تاريخيًا بأحداث مناخية استثنائية خلفت خسائر اقتصادية وبيئية واسعة.
لماذا يخشى العالم «سوبر نينيو»؟
التجارب السابقة تؤكد أن النسخ القوية من النينيو لا تؤثر فقط على درجات الحرارة، وإنما تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بأكمله.
فاضطراب أنماط سقوط الأمطار يؤدي إلى موجات جفاف طويلة في بعض المناطق، وفيضانات مدمرة في مناطق أخرى، بينما تتراجع إنتاجية المحاصيل الزراعية وتتأثر مصايد الأسماك، وترتفع تكاليف إنتاج الطاقة، وهو ما ينعكس سريعًا على أسعار الغذاء والسلع الأساسية عالميًا.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد الطلب على الكهرباء، خاصة مع التوسع في استخدام أجهزة التبريد، وهو ما يرفع استهلاك الوقود والغاز الطبيعي، ويضع شبكات الكهرباء تحت ضغوط إضافية.
ولهذا أصبحت المؤسسات الاقتصادية الدولية تنظر إلى النينيو باعتبارها عاملًا مؤثرًا في معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، وليس مجرد ظاهرة مناخية موسمية.
الأمن الغذائي في قلب التحديات
يبدو قطاع الغذاء الأكثر عرضة لتداعيات الظاهرة، إذ تؤثر التغيرات المناخية بصورة مباشرة على إنتاج الحبوب والمحاصيل الرئيسية في الدول المصدرة.
وفي حال تعرض مناطق الإنتاج الكبرى مثل أستراليا أو الأمريكتين لموجات جفاف أو فيضانات، فمن المرجح انخفاض المعروض العالمي، بما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط على الدول المستوردة.
ولا يقتصر الأمر على الحبوب، بل يمتد إلى الزيوت النباتية والسكر والبن والكاكاو والأعلاف، وهي منتجات ترتبط أسعارها بصورة وثيقة بالتغيرات المناخية، ما قد ينعكس على تكلفة الإنتاج الصناعي وأسعار الغذاء عالميًا.
الطاقة.. أزمة جديدة تلوح في الأفق
تزامن ارتفاع درجات الحرارة مع زيادة الطلب على الكهرباء يمثل تحديًا إضافيًا أمام قطاع الطاقة.
فكل موجة حر استثنائية تعني استهلاكًا أكبر للكهرباء، وضغطًا أكبر على شبكات التوزيع، وارتفاعًا في استهلاك الغاز الطبيعي والوقود المستخدم في توليد الطاقة.
كما قد تتأثر مصادر الطاقة الكهرومائية في بعض الدول نتيجة انخفاض معدلات الأمطار، بما يدفع الحكومات إلى الاعتماد بصورة أكبر على الوقود الأحفوري، وهو ما يزيد من الانبعاثات الكربونية ويغذي بدوره ظاهرة الاحتباس الحراري في حلقة متواصلة من التأثيرات المتبادلة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟
رغم أن ظاهرة النينيو تنشأ في المحيط الهادئ، فإن آثارها قد تمتد بصورة غير مباشرة إلى الاقتصاد المصري، وأولى هذه التأثيرات تتعلق بالموارد المائية، إذ ترتبط الظاهرة تاريخيًا بتغير أنماط الأمطار على الهضبة الإثيوبية، التي تمثل المصدر الرئيسي لتدفقات نهر النيل، وهو ما يجعل متابعة التطورات المناخية ضرورة استراتيجية ترتبط بالأمن المائي.
أما التحدي الثاني فيتمثل في الأمن الغذائي، حيث تعتمد مصر بدرجة كبيرة على استيراد القمح وعدد من السلع الغذائية الأساسية، وهو ما يجعل أي ارتفاع عالمي في الأسعار ينعكس مباشرة على فاتورة الواردات، ويزيد الضغوط على الموازنة العامة والاحتياطيات النقدية.
وفي قطاع الطاقة، قد يؤدي استمرار موجات الحرارة إلى زيادة غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء، بما يفرض ضغوطًا إضافية على منظومة الغاز الطبيعي وشبكات الإنتاج والتوزيع، خاصة خلال أشهر الصيف.
كما قد ترتفع معدلات التضخم إذا اقترنت زيادة أسعار الغذاء بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وهو سيناريو واجهته العديد من الاقتصادات خلال موجات النينيو السابقة.
إدارة استباقية للمخاطر
التعامل مع تداعيات النينيو لم يعد يقتصر على وزارات البيئة أو الأرصاد الجوية، بل أصبح يتطلب تنسيقًا بين مختلف القطاعات الاقتصادية.
فالسياسات الاستباقية تشمل تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتحسين كفاءة استخدام المياه، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة.
كما تبرز أهمية دعم القطاع الزراعي بتقنيات أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ، وتقليل الفاقد في سلاسل الإمداد، بما يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
بين المناخ والاقتصاد
تكشف التحذيرات الأخيرة أن التغيرات المناخية لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في معادلة الأمن الاقتصادي والغذائي والطاقوي للدول.
ومع تزايد احتمالات وصول «سوبر نينيو» إلى ذروتها خلال الفترة المقبلة، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني سياسات أكثر مرونة واستعدادًا للتعامل مع مرحلة قد تشهد تقلبات حادة في الأسواق العالمية وارتفاعًا في تكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، فإن نجاح الدول لن يقاس بقدرتها على مواجهة الأزمة بعد وقوعها، وإنما بمدى جاهزيتها لاتخاذ إجراءات استباقية تقلل من آثارها وتحافظ على استقرار الاقتصاد وتأمين احتياجات المواطنين، في عالم أصبحت فيه الظواهر المناخية أحد أهم محددات مستقبل التنمية.







