واصل سعر صرف الدولار الأمريكي تراجعه أمام الجنيه المصري خلال تعاملات الأيام الأخيرة، ليسجل أقل من 49 جنيهًا للمرة الأولى منذ مارس الماضي، في ظل تحسن أداء العملة المحلية واستقرار سوق الصرف، مدعومًا بمؤشرات اقتصادية إيجابية عززت الثقة في الاقتصاد المصري.
ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع انخفاضات متتالية للعملة الأمريكية في عدد من البنوك العاملة بالسوق المحلية، وسط ترقب لتأثير هذه التحركات على الاقتصاد المصري، ومدى استدامة الاتجاه الحالي في ضوء المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن انخفاض سعر صرف الدولار يعكس تحسنًا في مؤشرات الاستدامة المالية، وزيادة التدفقات الدولارية إلى السوق المصرية، بما يدعم استقرار سوق النقد الأجنبي ويعزز الثقة في قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته من العملات الأجنبية.
تدفقات الاستثمار الأجنبي تدعم الجنيه
وقال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إن تراجع الدولار أمام الجنيه جاء نتيجة مجموعة من العوامل الإيجابية، في مقدمتها عودة المستثمرين الأجانب إلى الاستثمار في أدوات الدين الحكومية، إلى جانب تحسن تدفقات النقد الأجنبي من مصادر مختلفة، تشمل تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وإيرادات قطاع السياحة، فضلاً عن استقرار سوق الصرف وارتفاع احتياطي النقد الأجنبي.
وأضاف أن انخفاض الطلب على الدولار عقب انتهاء بعض الالتزامات الموسمية أسهم في زيادة المعروض من العملة الأجنبية، وهو ما انعكس على سعر الصرف.
وأوضح الإدريسي أن تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين وفرت سيولة دولارية دعمت الجنيه المصري، كما أسهم استمرار أسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة في تعزيز جاذبية أدوات الدين المحلية للمستثمرين الأجانب، بالتزامن مع تحسن النظرة إلى الاقتصاد المصري واستقرار سوق الصرف.
ورغم ذلك، أكد أن هذه التدفقات تظل بطبيعتها قصيرة الأجل وسريعة الحركة، ما يستدعي عدم الاعتماد عليها وحدها لتحقيق استقرار دائم لسوق الصرف.
الإصلاحات الاقتصادية تعزز الثقة
وأشار الإدريسي إلى أن تراجع حدة التوترات الجيوسياسية أسهم في تحسين معنويات المستثمرين وتقليل الضغوط على الأسواق الناشئة، إلا أن العوامل الداخلية كانت الأكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتحسن مؤشرات القطاع الخارجي، وارتفاع الاحتياطي النقدي، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، بما عزز الثقة في الاقتصاد المصري.
وأضاف أن الانخفاض الحالي في سعر الدولار يعكس تحسنًا ملموسًا في بعض المؤشرات الاقتصادية، لكنه لا يعني انتهاء التحديات، موضحًا أن استدامة هذا التحسن ترتبط بزيادة الصادرات، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وليس فقط بالاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل.
توقعات بتحركات تدريجية لسعر الصرف
وفيما يتعلق بمسار سعر الصرف خلال الفترة المقبلة، توقع الإدريسي استمرار التراجع المحدود أو التحرك داخل نطاق مستقر، حال استمرار التدفقات الدولارية الحالية، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، واستقرار الأوضاع الإقليمية.
وأشار إلى أن تعرض الأسواق العالمية أو المنطقة لصدمات جديدة، أو خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين، قد يدفع الدولار إلى الارتفاع مجددًا، مرجحًا أن تكون التحركات المقبلة تدريجية وليست حادة.
انخفاض الدولار يخفف تكلفة الإنتاج
وأوضح الإدريسي أن استقرار أو انخفاض سعر الدولار يسهم في تقليل تكلفة استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة، وهو ما يخفف الضغوط على تكاليف الإنتاج، وقد ينعكس تدريجيًا على أسعار بعض السلع حال استمرار هذا الاتجاه، كما يساعد المصانع على تحسين خطط الإنتاج وتقليل مخاطر تقلبات سعر الصرف.
وفي المقابل، حذر من عدد من المخاطر التي قد تعيد الضغوط على سوق الصرف، من بينها تصاعد التوترات الجيوسياسية، وخروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من الأسواق الناشئة، وارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن، وتباطؤ إيرادات السياحة أو قناة السويس، إضافة إلى زيادة الطلب المحلي على الدولار أو تباطؤ تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
وفاء علي: الاستدامة المالية عززت قوة الجنيه
من جانبها، قالت أستاذة الاقتصاد وفاء علي إن تحسن أداء الجنيه المصري يعكس تطورًا في هيكل الاقتصاد، في ظل الإدارة الواقعية للتدفقات النقدية وسرعة الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية.
وأضافت أن الاقتصاد المصري حقق تقدمًا على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي رغم التحديات العالمية، مستفيدًا من تحسن السيولة الدولارية، واستعادة الثقة في الاقتصاد، إلى جانب تدفقات الاستثمارات الأجنبية التي دعمت أداء العملة المحلية.
وأشارت إلى أن الأسواق الناشئة، ومنها مصر، تتأثر بشكل مباشر بمؤشرات الاستدامة المالية، وهو ما انعكس في عودة التدفقات النقدية، والمراجعات الإيجابية لصندوق النقد الدولي، وتحسن تقييمات مؤسسات التصنيف الائتماني، فضلًا عن قوة الاحتياطي النقدي.
الطروحات الحكومية ودور القطاع الخاص
وأكدت وفاء علي أن استقرار سعر صرف الجنيه أسهم في تحقيق قدر من الهدوء داخل سوق الصرف، بالتزامن مع استمرار الدولة في تنفيذ سياسة الحياد الاقتصادي، من خلال تفعيل وثيقة ملكية الدولة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وأضافت أن التوقعات تشير إلى إمكانية ارتفاع معدل النمو الاقتصادي حتى عام 2029/2030 ليصل إلى نحو 7%، لافتة إلى أن برنامج الطروحات الحكومية يمثل أحد أهم أدوات التمويل المستدام، ويسهم في تنويع مصادر التمويل، وتعزيز الاستدامة المالية، وتوسيع الحيز المالي للدولة.
وشددت في الوقت ذاته على أهمية تطوير آليات التعامل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، وتعزيز إدارة المخاطر، وزيادة القدرة على استباق الأزمات، في ظل استمرار التحديات الجيوسياسية والمنافسة الدولية على جذب الاستثمارات، بما يحافظ على استقرار الاقتصاد المصري واستدامة تدفقات النقد الأجنبي.







