تستعد مصر لخوض المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج صندوق النقد الدولي البالغ 8 مليارات دولار، وسط تقدم في ملف التخارج من الأصول الحكومية وتحسن الحصيلة الضريبية، مقابل استمرار تحديات تتعلق بإعادة هيكلة دعم الطاقة وإقرار ضريبة على مبيعات شركات المناطق الحرة للسوق المحلية.
وتتوقع مصادر حكومية وصول بعثة الصندوق خلال النصف الثاني من نوفمبر المقبل، مع مساعي الجانبين لحسم المراجعة قبل انتهاء البرنامج رسميًا في 15 ديسمبر 2026، في ظل تقارب وجهات النظر بشأن عدد من الملفات العالقة، وفقًا لما نقلته نشرة «إنتربرايز» عن مسؤولين حكوميين.
ويفتح اجتياز المراجعة الباب أمام صرف الشريحة الأخيرة من التمويل، التي تشمل نحو 1.5 مليار دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد، ونحو 800 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة المرتبط بالمناخ. كما يمثل اجتيازها مؤشرًا مهمًا للمستثمرين بشأن قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة الإصلاحات بعد انتهاء البرنامج.
الطروحات الحكومية في صدارة الملفات الداعمة
يرجح مسؤولون حكوميون أن يشكل التقدم في برنامج التخارج من أصول الدولة أحد أبرز العوامل الداعمة لموقف مصر خلال المراجعة، مع اقتراب طرح حصص في بنك القاهرة وشركة مصر لتأمينات الحياة.
ويشترط صندوق النقد الدولي جمع 1.5 مليار دولار من عائدات التخارج قبل نهاية البرنامج، على أن تُوجه الحصيلة بالكامل إلى خفض الدين العام. وبحلول يوليو الماضي، جمعت الحكومة نحو 526.3 مليون دولار، منها 420 مليون دولار من صفقة بيع محطة جبل الزيت لطاقة الرياح، ونحو 106 ملايين دولار من بيع حصص في شركات مقيدة بالبورصة عبر وزارة المالية.
وتحتاج الحكومة، وفقًا لهذه الأرقام، إلى جمع نحو مليار دولار إضافية لاستكمال المستهدف، وهو ما قد تسهم في تحقيقه صفقتا بنك القاهرة ومصر لتأمينات الحياة.
وتشير التقديرات إلى احتمال رفع الحصة المطروحة من بنك القاهرة إلى 45% بدلًا من نسبة 30% الواردة في نشرة نية الطرح، بما قد يرفع قيمة الصفقة إلى نحو 36 مليار جنيه، مقارنة بنحو 24 مليار جنيه عند بيع 30% من أسهم البنك. ومع ذلك، تظل نسبة 30% هي الأساس المعتمد حاليًا، بينما يتطلب رفعها موافقة بنك مصر، المالك للبنك، والبنك المركزي المصري.
وفي السياق نفسه، تستهدف الحكومة جمع نحو 14 مليار جنيه من بيع 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة، في صفقة لا تزال قيد التنفيذ. ومن شأن إتمام الصفقتين توفير جزء كبير من الحصيلة المطلوبة قبل انتهاء البرنامج.
ولا تقتصر أهمية هذه الطروحات على توفير حصيلة لخفض الدين العام، بل تمتد إلى تعميق سوق الأوراق المالية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، ضمن تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة 2026-2030، التي تستهدف وضع إطار أكثر وضوحًا لإدارة محفظة الدولة الاستثمارية، وتعزيز الحوكمة والمنافسة العادلة.
الحصيلة الضريبية تدعم الموقف المالي
تمثل زيادة الإيرادات الضريبية عاملًا آخر تراهن عليه الحكومة خلال المراجعة، إذ تستهدف وزارة المالية جمع حصيلة ضريبية تبلغ 3.5 تريليون جنيه خلال العام المالي الجاري، بزيادة تقارب 30% مقارنة بالعام المالي السابق، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.
وتشمل الإصلاحات المستهدفة تحسين الامتثال الضريبي من خلال التوسع في الميكنة وتطوير آليات إدارة المخاطر، إلى جانب مراجعة بعض الإعفاءات الضريبية، بما يدعم الإيرادات العامة دون الاعتماد على زيادة الأعباء الضريبية وحدها.
لكن ملف ضريبة المناطق الحرة لا يزال يمثل نقطة خلاف. إذ يطالب صندوق النقد بفرض ضريبة مقطوعة بنسبة 4% على مبيعات شركات المناطق الحرة للسوق المحلية، وهو إجراء مدرج ضمن المعايير الهيكلية للبرنامج، ولم يقره البرلمان خلال العام الماضي.
ورغم إبلاغ الحكومة الصندوق باعتزامها إقرار التعديل التشريعي خلال نوفمبر، أشار مسؤول بمصلحة الضرائب إلى استمرار الجدل بشأنه، في ظل مخاوف من انعكاس الضريبة على الاستثمارات والأسعار، مؤكدًا عدم توقع إجراء تعديل في الوقت الراهن.
ويستند المعترضون على التعديل إلى أن مصانع المناطق الحرة توفر منتجات للسوق المحلية بأسعار أقل من نظيرتها المستوردة، فضلًا عن تجنب تكاليف الشحن البحري وتأخيرات التسليم، إلى جانب دورها في دعم الصادرات. ويزيد ذلك من صعوبة حسم الملف قبل المراجعة، رغم أن الحصيلة المتوقعة من الضريبة لا تتجاوز نحو 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
دعم الطاقة.. معادلة بين التضخم وعجز الموازنة
يمثل إصلاح دعم الطاقة تحديًا آخر أمام الحكومة، في ظل ارتفاع أسعار النفط مقارنة بالتقديرات التي بُنيت عليها الموازنة العامة، واستمرار احتياجات الهيئة المصرية العامة للبترول التمويلية، التي يصنفها الصندوق ضمن أبرز مصادر المخاطر المالية.
وكانت الحكومة قد قررت تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية ديسمبر، خلال المراجعة الربع سنوية الأولى منذ عودة لجنة التسعير التلقائي، مفضلة التركيز على زيادة الإنتاج وترشيد الاستهلاك بدلًا من تحريك الأسعار، وفقًا لما أورده التقرير.
ويضع هذا التوجه صانعي السياسة الاقتصادية أمام معادلة معقدة؛ فرفع أسعار الطاقة قد ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج، ويزيد الضغوط التضخمية، بينما قد يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى صعوبة تحقيق المستهدفات المالية المتفق عليها مع الصندوق.
كما أن تسارع التضخم قد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية مجددًا، بما يرفع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين العام. ولذلك، يرتبط مسار إعادة هيكلة الدعم بمدى قدرة الحكومة على الموازنة بين احتياجات ضبط المالية العامة والتداعيات الاجتماعية لزيادة أسعار الطاقة.
ويمتد هذا النهج إلى قطاع الكهرباء، إذ يرجح مسؤولون استقرار أسعار الكهرباء المنزلية حتى نهاية العام المالي الجاري في يونيو 2027، اعتمادًا على الوفورات المتوقعة من مشروعات الطاقة المتجددة، بعد زيادة الأسعار بمتوسط 12% في أغسطس الماضي.
ووفقًا للمسؤولين، وفرت وزارة الكهرباء نحو 40 مليار جنيه خلال العام المالي السابق، مدعومة بإضافة قدرات جديدة من الطاقة المتجددة بلغت 2 جيجاوات إلى الشبكة القومية.
ما بعد البرنامج.. النمو وخفض الدين واستدامة التمويل
لن تقتصر المراجعة الأخيرة على تقييم المؤشرات المالية والإصلاحات المنفذة، بل ستشمل أيضًا تصورات الحكومة بشأن المرحلة التالية لانتهاء البرنامج، ومدى قدرتها على الحفاظ على تدفقات نقدية مستقرة ودعم استدامة الاقتصاد.
وتشمل الأولويات المطروحة استمرار النمو، وخفض الدين العام باستخدام حصيلة الطروحات الحكومية، وتوفير حيز مالي مستقر للإنفاق على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. كما يتوقع أن يحظى التحول إلى نظام الدعم النقدي، المقرر تفعيله في يناير المقبل، باهتمام خلال المناقشات.
وفيما يتعلق بإمكانية الدخول في برنامج تمويلي جديد، نقل التقرير عن مسؤول حكومي أن هذا الخيار غير مطروح حاليًا، رغم إمكانية طلب تمويل إضافي مستقبلًا وفقًا لترتيبات الصندوق. وبدلًا من ذلك، تعتزم الحكومة الاستفادة من الدعم الفني الذي يقدمه الصندوق لتنفيذ خطتها الاقتصادية بعد انتهاء البرنامج.
ومن المنتظر وصول بعثة الصندوق في النصف الثاني من نوفمبر، بالتزامن مع استمرار الجدل بشأن تعديل ضريبة المناطق الحرة، المقرر نشره في الجريدة الرسمية بنهاية الشهر وفقًا لترتيبات البرنامج، قبل انتهائه رسميًا في 15 ديسمبر المقبل.
وبذلك، لا تتوقف أهمية المراجعة الأخيرة عند صرف الشريحة التمويلية المتبقية، بل تمتد إلى تقييم قدرة مصر على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية دون برنامج تمويلي جديد، في وقت تظل فيه ملفات الدين العام ودعم الطاقة والإيرادات الضريبية عناصر حاسمة في تحديد مسار السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة.







