تدخل سوق العقارات التجارية في مصر مرحلة أكثر تعقيدًا مع اتساع مشروعات المكاتب الإدارية والمراكز التجارية متعددة الاستخدامات، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الاستثمار وتزايد المنافسة على جذب الشركات والعلامات التجارية والمستأجرين. وبينما تتوسع القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية والشيخ زايد في استقطاب مشروعات جديدة، تبرز تساؤلات حول قدرة الطلب الفعلي على استيعاب المعروض، ومدى جدوى شراء الوحدات التجارية والإدارية بغرض إعادة البيع أو تحقيق عائد إيجاري.
وتشير تقديرات شركة «Mordor Intelligence»، التي أوردتها غرفة التجارة الأمريكية في مصر ضمن تحليلها للسوق، إلى أن قيمة سوق العقارات التجارية المصرية بلغت نحو 10.4 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 16–17 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقترب من 10.2%. وتشمل هذه التقديرات قطاعي المكاتب والمساحات التجارية، ولا تمثل بالضرورة قيمة الصفقات التي أُبرمت فعليًا خلال العام.
وتضع هذه التقديرات السوق المصرية ضمن الأسواق ذات الحجم الملحوظ إقليميًا، لكنها لا تعني أن جميع أنواع العقارات التجارية تتمتع بمستوى الطلب نفسه؛ فالأداء يختلف بين المكاتب المجهزة في المناطق الرئيسية، والمحلات داخل المراكز التجارية، والوحدات المطروحة للبيع في مشروعات لم تصل بعد إلى مرحلة التشغيل.
2.99 مليون متر مربع للمكاتب.. و3.48 مليون للتجزئة
تعكس بيانات شركة «JLL» حجم النشاط في القاهرة الكبرى، التي تمثل مركز الثقل الرئيسي للعقارات التجارية في مصر.
فبحسب تقرير الشركة عن الربع الثاني من 2026، أضاف سوق المكاتب في القاهرة نحو 96.2 ألف متر مربع من المساحات القابلة للتأجير خلال الربع، لترتفع محفظة المكاتب إلى نحو 2.99 مليون متر مربع.
وفي قطاع التجزئة، أضافت السوق نحو 42.7 ألف متر مربع خلال الفترة نفسها، ليصل إجمالي المخزون التجاري في القاهرة إلى قرابة 3.48 مليون متر مربع من المساحات القابلة للتأجير.
وتوضح هذه الأرقام أن السوق لا تقتصر على عدد محدود من المولات أو المباني الإدارية، بل تضم مخزونًا كبيرًا من المساحات التي تتنافس على جذب الشركات والمتاجر والعلامات التجارية. لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحدٍ رئيسي يتمثل في ضرورة نمو الطلب التشغيلي بالتوازي مع تسليم مشروعات جديدة.
وتحذر «JLL» من أن استمرار تسليم المكاتب الجديدة قد يزيد المنافسة داخل الفئة الإدارية الممتازة، بما قد يضغط تدريجيًا على متوسطات الإيجارات في بعض المواقع. وفي قطاع التجزئة، تتجه الشركات المالكة للمراكز التجارية إلى سياسات تأجير أكثر مرونة لجذب العلامات التجارية القادرة على تحقيق حركة زوار ومبيعات مستقرة.
الإيجارات والإشغال يكشفان أين يوجد الطلب الفعلي
تقدم مؤشرات التأجير صورة أكثر تفصيلًا عن قدرة السوق على استيعاب المعروض. فوفقًا لتقرير «Knight Frank» عن سوق المكاتب في القاهرة، الصادر في يوليو 2026، بلغ متوسط الإيجار السنوي للمكاتب في السوق نحو 325 دولارًا للمتر المربع خلال الربع الثاني من العام، بزيادة سنوية قدرها 2% بالدولار، في حين ارتفعت الإيجارات بالجنيه المصري بنحو 20% على أساس سنوي، متأثرة بتراجع قيمة العملة.
وسجلت المكاتب من الفئة «A» متوسط إيجار سنوي بلغ 335.6 دولار للمتر المربع، مقابل 283.5 دولار للمتر في الفئة «B»، بما يعكس علاوة سعرية تبلغ 18.4% للمساحات الأعلى جودة.
كما أظهر التقرير تفاوتًا بين المناطق؛ إذ بلغ متوسط سعر بيع المتر الإداري نحو 67.4 ألف جنيه في وسط القاهرة، مقابل نطاق يتراوح بين 182 ألفًا و184 ألف جنيه في القاهرة الجديدة والشيخ زايد، بينما سجلت منطقة زايد الجديدة متوسطًا بلغ نحو 206 آلاف جنيه للمتر. وفي مدينة السادس من أكتوبر، تراوح نطاق الأسعار بين 70 ألفًا و325 ألف جنيه للمتر، بما يشير إلى تفاوت كبير في جودة الوحدات ومواقعها ومواصفاتها.
وتظل هذه الأرقام متوسطات سوقية للمناطق التي شملها التقرير، وليست أسعارًا موحدة لكل المشروعات أو ضمانًا لإمكانية إعادة بيع الوحدة بالسعر نفسه.
أما في قطاع التجزئة، فقد أظهرت بيانات غرفة التجارة الأمريكية، استنادًا إلى «JLL»، أن متوسط الشغور في المراكز التجارية الكبرى انخفض من 9.2% في الربع الثاني من 2024 إلى 7.2% في الربع نفسه من 2025. وارتفعت الإيجارات السنوية بنحو 7.6% في المراكز التجارية الرئيسية و7.2% في المراكز الإقليمية الكبرى، بينما سجلت مراكز الأحياء نموًا بلغ 8.6%.
وتشير هذه المؤشرات إلى تحسن نسبي في أداء المساحات التجارية القائمة، لكنها لا تثبت أن جميع المشروعات الجديدة تحقق معدلات إشغال مماثلة؛ إذ تختلف النتائج وفقًا للموقع وحجم حركة الزوار ونوعية المستأجرين وتكلفة التشغيل.
هل السوق واسعة أم محدودة؟
الإجابة تتوقف على المقصود بحجم السوق. فمن حيث المخزون، وعدد المشروعات، والمساحات المطروحة للتأجير والبيع، فإن السوق المصرية كبيرة ومتنامية، خصوصًا في القاهرة الكبرى. أما من حيث السيولة وسهولة إعادة البيع، فلا يمكن افتراض أن كل وحدة تجارية أو إدارية تمثل أصلًا سهل التخارج أو مضمون العائد.
ويتركز الطلب على المكاتب الحديثة في القاهرة الجديدة والشيخ زايد والعاصمة الإدارية، حيث تتوافر مشروعات مخططة ومجمعات أعمال تجمع المكاتب والخدمات والمطاعم والمساحات الترفيهية. ووفقًا لتقرير «Knight Frank» عن النصف الثاني من 2025، تجاوزت المساحات المكتبية القابلة للتأجير في مجموعة من المشروعات الرئيسية بشرق وغرب القاهرة 1.1 مليون متر مربع، مع هيمنة واضحة لمناطق القاهرة الجديدة والشيخ زايد والعاصمة الإدارية على الطلب.
وتشير بيانات التقرير إلى أن مجمع «Cairo Festival City» يضم نحو 330 ألف متر مربع من المساحات المكتبية القابلة للتأجير، بينما تبلغ المساحات المكتبية في «Arkan Plaza» نحو 110 آلاف متر مربع، ما يوضح حجم التركز في عدد من المجمعات الرئيسية.
وفي المقابل، لا تتوافر في المصادر العامة التي جرى الاطلاع عليها قاعدة موحدة ترصد إجمالي قيمة صفقات بيع العقارات التجارية في مصر سنويًا، موزعة بين المحلات والمكاتب والمولات والمخازن. لذلك لا يصح الاستناد إلى قيمة السوق المقدرة بمليارات الدولارات باعتبارها حجم المبيعات المحققة، أو استخدامها وحدها للحكم على سهولة التخارج.
أبرز المشروعات التجارية والإدارية في مصر
تتوزع المشروعات التجارية والإدارية بين مجمعات قائمة ذات نشاط تشغيلي، ومشروعات متعددة الاستخدامات تجمع البيع والتأجير، وأخرى لا تزال في مراحل التطوير أو التسليم.
من أهم المناطق شرق القاهرة والقاهرة الجديدة، كذلك غرب القاهرة والشيخ زايد و6 أكتوبر، بالإضافة إلى المراكز التجارية والتجزئة، حيث يظل «Cairo Festival City» من أبرز الأصول التجارية متعددة الاستخدامات بشرق القاهرة، إلى جانب المراكز الكبرى ومراكز الأحياء التي تستهدف خدمة التجمعات السكنية المحيطة. ويتزايد توجه المطورين إلى المشروعات الأصغر نسبيًا والمراكز المفتوحة التي تدمج المطاعم والخدمات والأنشطة الترفيهية، بهدف رفع معدلات الزيارة وتوسيع قاعدة المستأجرين.
كذلك العاصمة الإدارية الجديدة التي تضم السوق عددًا من مشروعات الأعمال والمراكز التجارية والإدارية، ومن بينها «iBusiness Park» ومشروعات متعددة الاستخدامات تستهدف الشركات والخدمات التجارية والطبية. غير أن تقييم هذه المشروعات يتطلب التمييز بين الوحدات المبيعة على المخطط والمساحات التي دخلت التشغيل الفعلي، لأن الطلب على الشراء لا يعادل بالضرورة الطلب على الإيجار.
البيع على المخطط لا يكفي لإثبات قوة السوق
تتطلب قراءة السوق التجارية التمييز بين ثلاثة مسارات رئيسية: بيع الوحدة خلال مرحلة الإنشاء، وبيع أصل تجاري قائم يحقق إيرادات، وتأجير المساحة لمستخدم نهائي. فالمسار الأول يقيس قدرة المطور على جذب المشترين وتحصيل مقدمات وأقساط، بينما يوفر المساران الآخران مؤشرات أقرب إلى الطلب التشغيلي والعائد الذي يمكن أن يحققه الأصل.
وقد يعكس ارتفاع أسعار البيع المعلنة توقعات المطورين بشأن القيمة المستقبلية للمشروع، لكنه لا يثبت وحده أن هذه الأسعار تحققت في معاملات إعادة بيع فعلية، أو أن الوحدات ستجد مستأجرين بعائد يغطي تكلفة شرائها وتشغيلها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل امتداد فترات التقسيط التي يستخدمها المطورون لجذب المشترين. فقد أشار تقرير «Knight Frank» إلى ارتفاع متوسط فترات التقسيط للوحدات الإدارية التي يُنتظر تسليمها في 2026 إلى 4.6 سنوات، مقابل فترات أطول للوحدات المستهدفة للتسليم في السنوات التالية، وصولًا إلى 9.7 سنوات للمشروعات المقرر تسليمها في 2030.
وتساعد هذه الخطط في توسيع قاعدة المشترين، لكنها تجعل مقارنة سعر الوحدة بتكلفة التمويل والتضخم والعائد الإيجاري الفعلي أكثر أهمية، خصوصًا للمستثمر الذي يشتري بغرض إعادة البيع وليس التشغيل.
ما الذي سيحدد اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة؟
يتوقف أداء العقارات التجارية في مصر على قدرة الطلب التشغيلي على مواكبة المعروض الجديد، ومدى توسع الشركات في استئجار المكاتب، وقدرة المراكز التجارية على جذب العلامات التجارية والمستهلكين، إلى جانب تطور تكلفة التمويل وأسعار الصرف.
وتظهر البيانات الحالية سوقًا كبيرة من حيث المساحات والمشروعات، لكنها ليست متجانسة؛ فالمكاتب الممتازة والمراكز ذات المواقع القوية قد تتمتع بطلب أكثر استقرارًا، بينما تواجه الوحدات الأقل تميزًا أو الواقعة في مشروعات لم تستكمل تشغيلها مخاطر أكبر تتعلق بالإشغال وإعادة البيع.
وبذلك، فإن السؤال الأساسي لم يعد عدد المولات والمباني الإدارية التي تُطرح سنويًا، بل مقدار المساحات التي تدخل التشغيل وتنجح في جذب المستأجرين، ومستوى الإيجارات التي تتحقق فعليًا، وحجم الصفقات المنفذة مقارنة بالوحدات المعروضة. وهذه المؤشرات هي التي ستحدد ما إذا كان توسع السوق التجارية يتحول إلى نشاط استثماري مستدام أم يظل جزء منه معتمدًا على المبيعات المسبقة وتوقعات ارتفاع الأسعار.







