“الأسواق العقارية لا يمكن أن تضبط نفسها بنفسها في غياب الرقابة الحكومية، فدور الدولة الجوهري هو توفير المعلومات وحماية الطرف الأضعف عبر أطر تشريعية تضمن الشفافية والالتزام الفني”.. تعتبر تلك العبارة الشهيرة لعالم الاقتصاد جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل مربط الفرس لتحديات السوق العقارية المصرية حاليًا ومفتاح الحل في الوقت ذاته وتثير سلسلة من التساؤلات التي تحتاج لإجابات واضحة وصريحة.
من يراقب السوق ويتابع تطوراتها منذ سنوات تدور في ذهنه سلسلة من الأسئلة الحائرة التي لو تم الإجابة عليها لكانت الأوضاع أفضل: من الذي يتحمل مسؤولية أزمات القطاع العقاري؟، ولماذا أصبحت المشكلة محصورة بين المطور والعميل فقط؟، وهل أدت وزارة الإسكان الدور المنوط بها؟، ولماذا لم يستجب المسؤولون لمناشدات استمرت عقودًا لضبط السوق وتنظيمه؟
الإجابة تحتاج منا جولة بدولة في دول الجوار، أو الأسواق العربية الشقيقة وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، التي استطاعت تنظيم أسواقها العقارية وتحويلها إلى رافعة اقتصادية قائمة على الاحترافية، إذ يعرف أطراف صناعة العقار بها دورهم بوضوح، مع تفرقة واضحة بين المستثمر العقاري والمطور العقاري والمقاول.
المطورون يجاهدون من أجل تنظيم السوق
في مقابل ذلك التنظيم، يجاهد القطاع العقاري والمطورون الجادون بمصر في مواجهة موجات من الفوضى والعشوائية، وعقدوا اجتماعات وقدموا مناشدات وتبنوا مقترحات على مدار عقود، مفاداها ضرورة قيام وزارة الإسكان بتنظيم السوق، وغلق الباب أمام دخلاء المهنة التي باتت مقصًدا لكل “من هب ودب”.
على المستوي التشريعي ـ وقبل مشروع قانون المطورين الذي أعلنت عنه الوزارة أخيرًا، كان آخر قانون مُهم وفيصلي قدمته الوزارة قانون البناء الموحد لعام 2008 أي قبل 18 عامًا وهو قانون لـ”الطوب والخرسانة” إذ تناول تنظيم “عملية البناء” والهندسة فقط، وليس تنظيم “مهنة العقار”.
على مدار أكثر من 18 سنة، والمطورون الجادون ينادون على صفحات الجرائد وصفحاتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي وفي السنوات الأخيرة طالما قدموا توصيات عبر سلسلة مؤتمرات ذا انفستور التي تنظمها شركة بلاك دايموند للعلاقات العامة وتنظيم المؤتمرات، بضرورة إقرار قانون اتحاد المطورين العقاريين ليكون مظلة شرعية تحمي أبناء المهنة من الدخلاء، لكن كانت الاستجابة لم تكن على مستوى قطاع يمثل 20% من الناتج المحلي على أقل تقدير.
هل وزارة الإسكان مسئولة؟
يقول البعض إن وزيرة الإسكان الحالية، وهي شخصية لها منا كل تقدير، لم تتولى منصبها إلا أخيرًا وبالتالي بعيدة عن المشاكل السابقة، لكن سيادتها ليست غريبة على المشهد؛ فتاريحها طويل في أروقة الوزارة وتدرجت في مناصبها القيادية منذ عام 2006 اي على مدار عقدين، عاصرت خلالهما كل الأزمات ما يجعلها تعلم كل كبيرة وصغيرة في هذا الملف، ومع ذلك، لم تقدم الوزارة قانوناً واحداً باستثناء قانون تنظيم مهنة التطوير العقاري الأخير الذي جاء في ضوء توجيهات رئاسية بضرورة ضبط القطاع العقاري وليس مبادرة من الوزارة في الأساس.
كيف نحل المشكلة؟
حل تحديات العقار “سهل وبسيط”، يكفي أن ندرس تجارب الأسواق المجاورة التي توجد بها فروق واضحة لمن يمارس التطوير العقاري ومن يريد الاستثمار العقاري ولديه الملاءة المالية لذلك، فهناك شروط صارمة تقضي بضرورة توافر الجانب الفني والقدرة على التنفيذ والالتزام بالمعايير الهندسية والزمنية قبل الملاءة المالية اي بمعنى أخر لابد أن يتعاون المستثمر العقاري الذي يملك الجانب المالي مع مطور عقاري يملك الخبرة الفنية والإدارية في تنفيذ أي مشروع. الحل بمنتهى البساطة أن تكون الدولة مثل حكَم كرة القدم أو القاضي الذي يحافظ على حياده ورقابته.


