دخل الطرح العام الأولي المرتقب لشركة «إم إن تي-حالا» مرحلة جديدة من الاستعدادات، بعدما وقع البنك التجاري الدولي اتفاقية ليصبح مستثمرًا رئيسيًا في الطرح، مع مساهمة تصل إلى ملياري جنيه، في خطوة تعكس اهتمام المؤسسات المصرفية الكبرى بقطاع التكنولوجيا المالية والتمويل غير المصرفي.
وأعلن البنك التجاري الدولي، المدرج في البورصة المصرية، إبرام الاتفاقية في 24 سبتمبر الماضي، أي قبل نحو أسبوع من إعلان «إم إن تي-حالا» نيتها طرح أسهمها في البورصة.
وبحسب الحسابات الواردة في البيانات، تمثل مساهمة البنك نحو خُمس الحصة المستهدف طرحها، والبالغة 20% من الشركة، إذا جاء تسعير الطرح قريبًا من التقييم البالغ نحو مليار دولار الذي كان المصرفيون قد طرحوه في وقت سابق.
أكبر بنكين في مصر يدخلان المشهد
وتكتسب خطوة «التجاري الدولي» أهمية خاصة مع دخول البنك الأهلي المصري أيضًا على خط الاستثمار في المجموعة، بعدما قادت ذراعه الاستثمارية «الأهلي كابيتال» جولة تمويلية لصالح «إم إن تي-حالا» في يونيو الماضي.
وبذلك، سيصبح البنكان، الأكبر في القطاعين الخاص والحكومي، مرتبطين بالمجموعة عقب إتمام الطرح، وإن اختلفت طبيعة الاستثمار؛ إذ يساهم البنك الأهلي من خلال الشركة الأم، بينما يستثمر التجاري الدولي مباشرة في الذراع المصرية التي ستدرج أسهمها في البورصة.
ولا تقتصر العلاقة بين البنوك و«إم إن تي-حالا» على الاستثمار، إذ يمول البنكان بالفعل جزءًا من محفظة قروض المجموعة، كما شاركا في ضمان إصدار سندات توريق بقيمة 4.7 مليار جنيه لصالح شركة «تساهيل» للتمويل متناهي الصغر التابعة للمجموعة.
وتمنح هذه العلاقة بين القطاع المصرفي وشركة التكنولوجيا المالية مؤشرًا على اتساع التعاون بين البنوك وشركات التمويل غير المصرفي، سواء عبر التمويل أو التوريق أو الاستثمار المباشر.
أين تذهب حصيلة الطرح؟
وبحسب تصريحات منير نخلة، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«إم إن تي-حالا»، لن تذهب حصيلة الطرح إلى المساهمين في صورة عائدات تخارج، بينما ستعود نسبة من الأموال إلى الشركة المدرجة لدعم توسعاتها.
وأوضح نخلة أن نصف أو أكثر من الحصيلة التي ستجمعها «إم إن تي إنفستمنتس بي في»، المساهم البائع، سيعود إلى الشركة المدرجة.
ويتضمن هيكل العملية كذلك زيادة رأسمال مغلقة بقيمة تصل إلى 4 مليارات جنيه، يوجه نحو ربعها إلى أعمال المجموعة في تركيا، بينما يخصص الجزء المتبقي لتمويل صفقة استحواذ في إحدى الأسواق الناطقة بالعربية، دون الكشف عن اسم السوق أو الشركة المستهدفة.
وتعني هذه الهيكلة أن الطرح لا يقتصر على توفير سيولة للمساهمين الحاليين، وإنما يتضمن أيضًا تدفقات رأسمالية تستهدف دعم خطط النمو والتوسع الإقليمي للمجموعة.
الصناديق الأجنبية تراقب التسعير
وتراهن «إم إن تي-حالا» على تحسن شهية المستثمرين تجاه السوق المصرية، خصوصًا مع ارتفاع أحجام التداول وزيادة قاعدة المستثمرين خلال الفترة الماضية.
وقال نخلة إن الشركة لمست طلبًا قويًا خلال جولاتها الترويجية، بما في ذلك من مستثمرين طويل الأجل أبدوا استعدادًا لضخ استثمارات كبيرة.
ويرتبط جزء مهم من تسويق الطرح بفكرة التسعير، إذ تراهن الشركة على أن خصم أسهم الطرح العام الأولي عن مستويات السوق قد يمثل عامل جذب للصناديق التي لم تستفد من ارتفاعات البورصة المصرية خلال العامين الماضيين.
ويرى نخلة أن اهتمام المستثمرين تحول تدريجيًا من التركيز على المؤشرات الاقتصادية الكلية إلى دراسة المزايا التنافسية للشركة وفرص النمو داخل سوق التمويل والتكنولوجيا المالية، معتبرًا أن نظرة المستثمرين إلى الاقتصاد المصري أصبحت أكثر ارتياحًا مقارنة بالفترة السابقة.
وتنتظر مستندات الطرح الاعتماد النهائي من الهيئة العامة للرقابة المالية، فيما أشار نخلة إلى أن بدء العملية سيكون على الأرجح من خلال تقييم ثابت، على أن تتضح المزيد من التفاصيل مع نشر مستندات الطرح.
توقيت الطرح.. لماذا الآن؟
ويربط نخلة اختيار توقيت الطرح بتحسن ظروف السوق مقارنة بعام 2024، مشيرًا إلى أن طرح الشركة في ذلك الوقت كان سيجمع، وفق تقديراته، ما بين 30 و40 مليون دولار فقط، وهو ما لم يكن ليبرر الإقدام على الخطوة.
أما حاليًا، فيرى أن السوق المصرية شهدت توسعًا في قاعدة المستثمرين وارتفاعًا ملحوظًا في أحجام التداول، بالتزامن مع صعود المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية خلال العام.
ويعكس ذلك رهان الشركة على أن عمق السوق والسيولة المتاحة يمثلان عنصرين أساسيين لنجاح طرح بهذا الحجم، خصوصًا أن نجاح الطروحات الجديدة لا يعتمد فقط على تقييم الشركة، وإنما أيضًا على قدرة السوق على استيعاب الأسهم المطروحة وتوفير سيولة كافية للمستثمرين بعد الإدراج.
«إم إن تي-حالا» تستبعد فقاعة التمويل الاستهلاكي
وفيما يتعلق بقطاع التمويل الاستهلاكي، استبعد نخلة وجود فقاعة في السوق، مشيرًا إلى أن حجم الطلب على الائتمان لا يزال كبيرًا مقارنة بمستويات الانتشار الحالية.
وأوضح أن عدد حاملي بطاقات الائتمان في مصر يتراوح بين 5 و5.5 مليون شخص، بينما أصدرت «إم إن تي-حالا» نحو 1.6 مليون بطاقة مسبقة الدفع خلال عامين، مقارنة بنحو 40 مليون بطاقة في تركيا، وفق تصريحاته.
وبحسب رؤية الشركة، فإن التحدي الحالي لا يتعلق بغياب الطلب على الائتمان، وإنما بقدرة المؤسسات على تحديد العملاء الأكثر ملاءمة للحصول عليه وإدارة مخاطر الإقراض بكفاءة.
وفي هذا السياق، ارتفعت القروض المتعثرة لدى الشركة بنحو 1% إلى 1.5% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، إلا أن نخلة وصف الوضع بأنه «تحت السيطرة»، مشيرًا إلى أن الشركة تتعامل بحذر مع المنتجات الأعلى مخاطرة.
كما تشهد قروض الشركات الصغيرة تباطؤًا نسبيًا، رغم كونها من أكثر القطاعات ربحية بالنسبة للمجموعة، في ظل نمو أقل من المستهدف للسوق.
الذكاء الاصطناعي يدخل إدارة مخاطر الائتمان
ولا تقتصر خطط «إم إن تي-حالا» على التوسع في المنتجات والأسواق، إذ تستخدم المجموعة أدوات الذكاء الاصطناعي والبيانات في إدارة مخاطر الائتمان ورفع كفاءة عمليات التحصيل.
ومن أبرز هذه الأدوات منصة «أبولو»، وهي أداة بيانات داخلية تساعد الإدارة في تحديد موظفي التحصيل والحسابات التي تحتاج إلى متابعة في نهاية كل شهر.
وتعتزم الشركة توسيع استخدام الأداة لتشمل أقسامًا أخرى خلال الأشهر المقبلة، بما يعكس توجه شركات التكنولوجيا المالية إلى الاعتماد بصورة أكبر على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في إدارة المحافظ الائتمانية.
وبين دخول «التجاري الدولي» كمستثمر رئيسي، واستمرار ارتباط «إم إن تي-حالا» بالبنك الأهلي المصري، والاستعداد لطرح 20% من أسهمها، تتجه الشركة إلى اختبار جديد أمام السوق العامة، لن يتوقف نجاحه على حجم الطلب الأولي فقط، وإنما على التسعير، والسيولة، وقدرة الشركة على تحويل توسعاتها في التمويل والتكنولوجيا المالية إلى نمو مستدام بعد الإدراج.







