تبدأ مصر مرحلة جديدة في إدارة ومراقبة الأسواق، مع الاتجاه إلى رقمنة منظومة الرقابة على السلع والأسعار، في خطوة تستهدف الانتقال من الرقابة التقليدية القائمة على الحملات الميدانية إلى منظومة أكثر اعتمادًا على البيانات والتحليل اللحظي ورصد حركة الأسواق.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة في ظل ارتباطها بتوجه الدولة نحو إعادة هيكلة منظومة الدعم، بما يتيح بناء صورة أكثر دقة عن حركة السلع والأسعار، وتحديد مكامن الخلل والاختناقات، وتوجيه الدعم والرقابة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجًا.
وبحسب ما أعلنته وزارة التموين والتجارة الداخلية، تتضمن المنظومة الجديدة تطوير أدوات رقمية للرقابة، من بينها «رادار الأسعار» و«كارت المفتش»، بما يسمح بتوثيق أعمال التفتيش وتحليل بيانات الأسواق بصورة أكثر انتظامًا، وربط العمل الميداني بمنظومة إلكترونية تساعد على سرعة اتخاذ القرار.
التحول الأهم الذي تحمله الرقمنة لا يتعلق فقط باستبدال الأوراق بأجهزة إلكترونية، وإنما بتغيير فلسفة الرقابة نفسها، فالمنظومة التقليدية تتحرك غالبًا بعد ظهور المشكلة، سواء من خلال شكوى من المواطنين أو حملة تفتيش تكشف مخالفة أو ارتفاعًا في الأسعار أو نقصًا في إحدى السلع.
أما الرقابة الرقمية فتتيح مراقبة التغيرات في الأسعار وحركة السلع بصورة مستمرة، بما يساعد على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في وقت مبكر، وتحديد المناطق أو الأنشطة التي تستدعي تدخلًا رقابيًا، وهنا يمكن أن تتحول الرقابة من نموذج «البحث عن المخالفة» إلى نموذج يعتمد على تحليل المخاطر وتحديد الأولويات، فبدلًا من توزيع الحملات بصورة متساوية، يمكن للبيانات أن تحدد منطقة تشهد ارتفاعًا غير معتاد في سعر سلعة معينة، أو نشاطًا تجاريًا تتكرر فيه المخالفات، أو سوقًا تعاني من نقص في المعروض، لتوجيه المفتشين إليها بشكل أكثر دقة.
كيف يدخل الذكاء الاصطناعي على خط الأسعار؟
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تعزز كفاءة المنظومة الجديدة، خصوصًا مع ضخامة حجم البيانات المتعلقة بالأسعار والإنتاج والتوزيع والمخزون وحركة السلع.
فالخوارزميات تستطيع مقارنة السعر الحالي للسلعة بأسعارها التاريخية، ومتوسط أسعارها في المناطق المختلفة، ومعدلات التغير الطبيعية، ثم تحديد الانحرافات التي تستحق الفحص.
فعلى سبيل المثال، إذا ارتفع سعر سلعة معينة في معظم المناطق نتيجة زيادة تكلفة الإنتاج أو النقل، فإن الزيادة قد تكون مرتبطة بعوامل اقتصادية طبيعية.
لكن إذا ارتفع السعر بصورة أكبر بكثير في منطقة محددة، بينما ظل مستقرًا في مناطق أخرى، فإن ذلك يمكن أن يمثل مؤشرًا يستحق التحقق من أسبابه.
وبذلك لا يصبح السؤال الذي تطرحه المنظومة الرقمية هو «كم يبلغ سعر السلعة؟» فقط، وإنما «لماذا تغير السعر؟ وهل التغير يتوافق مع ظروف السوق أم يمثل انحرافًا يستدعي التدخل؟».
ولا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند رصد الأسعار، إذ يمكن أن يمتد إلى تحليل حركة المعروض والطلب واكتشاف الأنماط غير المعتادة، فإذا أظهرت البيانات ارتفاع الطلب على سلعة معينة بالتزامن مع انخفاض المخزون أو تراجع الإمدادات، يمكن للنظام إعطاء إنذار مبكر باحتمال حدوث نقص أو ارتفاعات سعرية خلال الفترة المقبلة.
ومن هنا تتغير طبيعة التدخل الحكومي من محاولة احتواء الأزمة بعد حدوثها إلى التحرك قبل تفاقمها، سواء بزيادة المعروض أو إعادة توزيع الكميات أو معالجة اختناق في إحدى حلقات سلسلة الإمداد.
وهذه النقطة تحديدًا قد تكون من أبرز مكاسب استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الأسواق؛ إذ يتحول من مجرد أداة للرقابة إلى أداة للتنبؤ وإدارة المخاطر.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي خفض الأسعار؟
رغم أهمية التكنولوجيا، فإن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع بمفرده فرض سعر معين على السوق، كما أنه لا يمثل بديلًا عن آليات العرض والطلب أو السياسات الاقتصادية، لكن تأثيره يمكن أن يظهر بصورة غير مباشرة من خلال الحد من الممارسات التي تؤدي إلى زيادات غير مبررة في الأسعار، وكشف التخزين أو حجب السلع، وتحسين توزيع المعروض، وتقليص الفروق السعرية غير الطبيعية بين المناطق، وبالتالي فإن الهدف الأساسي ليس «تسعير» السلع بواسطة الخوارزميات، وإنما زيادة شفافية السوق وتقليل مساحة التلاعب داخله.
وكلما ارتفعت قدرة الدولة على اكتشاف الانحرافات السعرية بسرعة، زادت قدرتها على التدخل في الوقت المناسب قبل أن تتحول الزيادة إلى موجة واسعة يصعب احتواؤها، يمكن أن تمثل البيانات المتراكمة عن الأسواق أداة مهمة في رصد الممارسات الاحتكارية.
فمن خلال تحليل الأسعار والكميات والمناطق، يمكن للمنظومة اكتشاف أنماط متكررة، مثل ارتفاعات متزامنة وغير معتادة في أسعار سلعة معينة، أو وجود فجوة بين حجم المعروض المسجل وحجم السلع المتاحة فعليًا للمستهلك، كما يمكن تحليل تاريخ المخالفات وتحديد المنشآت أو الأنشطة ذات المخاطر المرتفعة، بما يسمح بتوجيه الحملات الرقابية بصورة أكثر كفاءة.
لكن يظل الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة أداة لاكتشاف «مؤشرات الاشتباه»، وليس بديلًا عن المفتش أو جهة التحقيق؛ إذ يتعين التحقق ميدانيًا وقانونيًا من أي مخالفة قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة.
ماذا تعني الرقمنة للمستهلك؟
بالنسبة للمواطن، يفترض أن يظهر الأثر المباشر للمنظومة في صورة سوق أكثر شفافية واستقرارًا، فكلما توافرت معلومات أكثر دقة عن الأسعار، وأصبح اكتشاف المخالفات أسرع، تراجعت المساحة المتاحة أمام الممارسات غير المشروعة التي تستغل نقص المعلومات لدى المستهلك، كما أن ربط منظومة الرقابة بشكاوى المواطنين يمكن أن يحول الشكوى من مجرد بلاغ منفصل إلى «بيانات» تدخل في عملية تحليل أوسع، بما يسمح بتحديد المناطق التي تتكرر فيها الشكاوى وأنواع المخالفات الأكثر انتشارًا.
وتبرز أهمية الرقمنة بصورة أكبر عند النظر إليها في سياق إعادة هيكلة منظومة الدعم، فامتلاك بيانات أكثر دقة عن حركة السلع والأسعار والتوزيع يمكن أن يساعد الدولة في بناء قاعدة معلومات أكثر شمولًا، بما يدعم توجيه الدعم بصورة أكثر استهدافًا، وتقليل فرص تسربه أو الاستفادة منه خارج الفئات المستحقة، كما يمكن أن تساعد البيانات في قياس تأثير أي تغيير في منظومة الدعم على أسعار السلع وحجم الطلب والمعروض، بما يسمح بتقييم القرارات بصورة مستمرة وإجراء التعديلات اللازمة.
ومن هنا، فإن رقمنة الرقابة لا تمثل مشروعًا منفصلًا عن ملف الدعم، وإنما يمكن أن تكون إحدى الأدوات التي تساعد على بناء منظومة أكثر اعتمادًا على البيانات في إدارة الموارد وتوجيه المساندة الحكومية.
سوق أكثر ذكاءً.. وليس مجرد رقابة إلكترونية
في النهاية، فإن أهمية التحول الرقمي في الرقابة على الأسواق تتجاوز فكرة استخدام أجهزة أو تطبيقات حديثة في أعمال التفتيش، التحول الحقيقي يتمثل في امتلاك الدولة قدرة أكبر على رؤية السوق وتحليل حركته والتنبؤ بمشكلاته قبل تفاقمها، ومع إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يمكن أن تنتقل الرقابة من مطاردة المخالفة بعد وقوعها إلى بناء منظومة للإنذار المبكر، تحدد أين ترتفع الأسعار بصورة غير طبيعية، وأين ينخفض المعروض، وأين تتكرر المخالفات، وما السلع الأكثر عرضة للاضطراب، وبذلك يصبح «رادار الأسعار» ليس مجرد أداة لمتابعة ما حدث، وإنما منصة يمكن أن تساعد في الإجابة عن السؤال الأهم: ما الذي قد يحدث في السوق خلال الفترة المقبلة، وكيف يمكن التدخل قبل أن يدفع المستهلك ثمن الأزمة؟







