مشروع قانون جديد يستهدف فصل حسابات الصيانة وإخضاعها للمراجعة.. ومطورون يحذرون من ارتفاع تكاليف التشغيل
تتصاعد المطالب داخل السوق العقارية المصرية بإحكام الرقابة على ودائع الصيانة التي يسددها المشترون عند التعاقد على الوحدات السكنية، وسط تساؤلات حول حجم الأموال المحصلة، والعوائد المتحققة منها، وأوجه إنفاقها، ومدى كفايتها لتغطية تكاليف تشغيل المشروعات والحفاظ على مرافقها.
وتزداد أهمية الملف مع وصول قيمة الوديعة في بعض المشروعات إلى مئات الآلاف من الجنيهات للوحدة الواحدة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف العمالة والطاقة والأمن والنظافة وصيانة البنية التحتية، ما يفتح الباب أمام خلافات بين الملاك والمطورين بشأن حدود الالتزامات المالية لكل طرف.
وتكشف تجارب مشترين عن جانب من هذه الإشكالية؛ إذ يقول خالد محمد إنه سدد مئات الآلاف من الجنيهات وديعة صيانة لوحدته قبل أكثر من عام، رغم أن المشروع الذي اشتراه منذ أربع سنوات لم يصل بعد إلى مرحلة التشغيل، مشيرًا إلى عدم توافر معلومات واضحة لديه بشأن كيفية إدارة الأموال والعوائد المتحققة منها.
وفي حالة أخرى، دفع صفوت يوسف نحو 700 ألف جنيه وديعة صيانة لوحدة تبلغ قيمتها قرابة 7 ملايين جنيه، لكنه لا يزال يتلقى مطالبات بسداد فروق إضافية، دون توافر معلومات كافية لديه عن الرصيد المتبقي من الوديعة أو تفاصيل العوائد والمصروفات.
في المقابل، يؤكد المطورون أن الارتفاع المتواصل في تكاليف التشغيل يضغط على الموارد المخصصة للصيانة، ويجعل الحفاظ على جودة الخدمات والمرافق تحديًا متزايدًا، خصوصًا عندما لا تتناسب عوائد الودائع مع النفقات الفعلية.
مشروع قانون لتنظيم ودائع الصيانة
تتجه الحكومة إلى تعزيز الإطار التنظيمي لإدارة أموال الصيانة والتشغيل من خلال مشروع قانون تنظيم السوق العقارية الجاري إعداده، والذي يستهدف وضع ضوابط أكثر وضوحًا لإدارة هذه الأموال وفصلها عن الموارد المالية المخصصة للإنشاءات وتنفيذ المشروعات.
وقالت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، إن المسودة المقترحة تتضمن فصلًا كاملًا لتنظيم إدارة أموال الصيانة والتشغيل، وإلزام المطورين بإيداعها في حسابات مستقلة، وعدم اعتبارها جزءًا من أموال المشروع أو المرحلة، إلى جانب إخضاعها للمراجعة المالية والتدقيق القانوني.
وتستند التوجهات التنظيمية إلى قواعد قائمة، من بينها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2184 لسنة 2022 بشأن ضوابط بيع وحدات مشروعات التطوير العقاري وضمان حقوق المشترين، بما يدعم الفصل بين الحسابات المالية للمشروعات وإخضاعها للرقابة والتدقيق.
ويستهدف هذا التوجه تعزيز الرقابة على الأموال التي يسددها المشترون للصيانة، وضمان توجيهها إلى الأغراض المخصصة لها، مع توفير قدر أكبر من الوضوح بشأن العوائد والمصروفات.
مليار جنيه سنويًا لتشغيل مشروعات سوديك
على الجانب الآخر، يسلط المطورون الضوء على الزيادة الكبيرة في أعباء تشغيل المجتمعات العمرانية، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة ومستلزمات الصيانة، واتساع نطاق الخدمات المطلوبة للحفاظ على جودة الحياة داخل المشروعات.
وقال أيمن عامر، المدير العام لشركة سوديك، إن مصروفات التشغيل والصيانة لدى الشركة تبلغ نحو مليار جنيه سنويًا، في ظل اتساع محفظتها العقارية وارتفاع الأعباء التشغيلية.
وأضاف أن تأخر بعض العملاء عن سداد الالتزامات المالية المستحقة عليهم قد يؤثر مباشرة في قدرة الشركات على توفير التمويل اللازم لتشغيل المشروعات والوفاء باحتياجاتها.
وأوضح أن تخلف 100 عميل فقط عن السداد يمكن أن يتسبب في فجوة مالية تصل إلى نحو 100 مليون جنيه، بما يعكس أثر المتأخرات في الموازنات التشغيلية للمشروعات العقارية.
وتشمل أعباء التشغيل نفقات الأمن والنظافة والحدائق والمرافق والبنية التحتية، وهي التزامات مستمرة تتطلب موارد مالية كافية للحفاظ على مستوى الخدمات المقدمة للسكان.
لماذا لا تكفي عوائد الودائع لتغطية الصيانة؟
يرى محمد علام، نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة حسن علام العقارية، أن الشركات تسعى إلى تحقيق أفضل عائد ممكن من ودائع الصيانة في إطار القواعد المنظمة لإدارتها، لكن هذه العوائد لم تعد كافية في بعض الحالات لمواكبة الزيادات الكبيرة في تكاليف التشغيل خلال السنوات الأخيرة.
ويتفق هشام شكري، رئيس المجلس التصديري للعقار والعضو المنتدب لشركة رؤية القابضة، مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن الفجوة تتسع نتيجة ثبات قيمة الوديعة لفترات طويلة، مقابل الارتفاع المستمر في تكاليف الخدمات والطاقة والعمالة ومستلزمات التشغيل.
ويضع هذا التباين نموذج تمويل الصيانة أمام تحدٍ رئيسي؛ إذ تُحصّل الوديعة عادة عند شراء الوحدة، بينما تتغير تكاليف التشغيل بمرور الوقت، ما قد يؤدي إلى تراجع قدرتها على تغطية النفقات الفعلية.
من جانبه، شدد كريم خالد العسال، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة مصر إيطاليا العقارية، على أهمية تعزيز الإفصاح والشفافية في إدارة ودائع الصيانة، من خلال توفير بيانات واضحة للعملاء بشأن عناصر التكلفة والعوائد المتحققة وأوجه الإنفاق الفعلية.
وأكد أن إتاحة هذه المعلومات تساعد على تعزيز الثقة بين المطورين والمشترين، وتمنح العملاء أساسًا أوضح لفهم أسباب المطالبات المالية الإضافية ومدى ارتباطها بتكاليف التشغيل.
لا يقتصر مطلب المشترين على معرفة قيمة الوديعة عند التعاقد، بل يمتد إلى الاطلاع على تطور رصيدها والعوائد الناتجة عنها والمصروفات التي تمولها، خاصة عندما تتلقى بعض الأسر مطالبات إضافية بسداد فروق صيانة.
ويؤكد صفوت يوسف أن اعتراضه لا يتعلق بمبدأ دفع الوديعة، وإنما بغياب المعلومات المتعلقة بالأموال المتبقية والعوائد التي حققتها منذ إيداعها وأوجه إنفاقها.
أما خالد محمد، فيثير تساؤلات بشأن تحصيل الوديعة قبل بدء التشغيل الفعلي للمشروع، مطالبًا بتوضيح مصير العوائد التي يمكن أن تحققها الأموال خلال الفترة الفاصلة بين التحصيل وبدء تقديم الخدمات للسكان.
وتعكس هذه المطالب الحاجة إلى آليات منتظمة لإطلاع الملاك على الموقف المالي للودائع، بما يوضح العلاقة بين الأموال المحصلة والعوائد المحققة والتكاليف الفعلية التي تتحملها الشركات.
يرى ذكي ثابت، المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا، أن جانبًا من الخلافات المتعلقة بودائع الصيانة يرتبط بضعف الإفصاح الدوري للعملاء، مؤكدًا أهمية توفير كشوف حساب منتظمة وميزانيات معتمدة من مراقبي الحسابات، توضح الإيرادات والمصروفات وأوجه الإنفاق.
وأضاف أن بعض الشركات تحصل ودائع صيانة تتراوح بين 8% و10% من قيمة الوحدة، ثم تطالب العملاء بمبالغ إضافية عند التسليم أو بعد بدء التشغيل، وهو ما يستدعي وضوحًا أكبر في العقود والإفصاح عن الالتزامات المالية المحتملة قبل التعاقد.
من جانبه، قال محمد منير، المحامي بالنقض، إن القواعد التنظيمية تشدد على تخصيص حسابات مستقلة لأموال التشغيل والصيانة ومراجعة المصروفات من خلال مراجعين قانونيين، مع توجيه العوائد المتحققة من الوديعة إلى تغطية نفقات الصيانة.
وأوضح أن الملاك قد يتحملون مصروفات إضافية إذا تجاوزت تكاليف الصيانة العوائد المتاحة، وفقًا لما تنص عليه العقود المنظمة للعلاقة بين الطرفين.
وفيما يتعلق بتأخر المالك عن سداد فروق الصيانة، أشار منير إلى أن المطور لا يحق له قطع المياه والكهرباء عن الملاك وسيلةً لتحصيل المستحقات، موضحًا أن قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 يتيح اللجوء إلى الوسائل القانونية للمطالبة بالحقوق، دون أن يمنح المطور حق قطع المرافق.
لم تعد ودائع الصيانة مجرد بند مالي في عقود شراء الوحدات، بل أصبحت اختبارًا لقدرة السوق العقارية على تحقيق التوازن بين حماية أموال المشترين وضمان استمرارية الخدمات داخل المجتمعات السكنية.
فالملاك يحتاجون إلى معرفة واضحة بمصير الأموال التي يسددونها مقدمًا، بينما يحتاج المطورون إلى موارد مستقرة تمكّنهم من مواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل دون التأثير في جودة المرافق والخدمات.
وتتطلب معالجة هذه الإشكالية منظومة متكاملة تجمع بين الحسابات المستقلة والمراجعة المالية المنتظمة والإفصاح الدوري عن العوائد والمصروفات، إلى جانب تحديد الالتزامات التعاقدية للمطورين والملاك بصورة واضحة.
ويمثل استكمال الإطار التشريعي المنظم للسوق العقارية فرصة لتقليص النزاعات بشأن هذه الأموال، شريطة أن تتحول قواعد الرقابة والشفافية إلى ممارسات فعلية تتيح للمشترين الاطلاع على حقوقهم المالية، وتمنح الشركات في الوقت نفسه آليات مستدامة لتمويل التشغيل والصيانة على المدى الطويل.







