بعد عقود من تركز الحضور الصيني في مصر على تنفيذ مشروعات البنية الأساسية والإنشاءات والصناعة، تبرز تساؤلات حول إمكانية انتقال الشركات الصينية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستثمار والتطوير العقاري لحسابها، بدلًا من الاكتفاء بدور المقاول والمنفذ لحساب جهات أخرى.
وتأتي هذه الفكرة في ظل ترسخ وجود عدد من الشركات الصينية الكبرى في السوق المصرية، واكتسابها خبرات واسعة في تنفيذ المشروعات العملاقة، بالتوازي مع امتلاك مصر مساحات كبيرة من الأراضي القابلة للتنمية ووجود طلب مستمر على الوحدات السكنية والتجارية والسياحية، ويطرح هذا التطور المحتمل سؤالًا رئيسيًا: هل تصبح السوق العقارية المصرية محطة جديدة لرأس المال الصيني، أم يظل التركيز الصيني منصبًا على الصناعة والبنية الأساسية والمشروعات القومية؟
شركات صينية صنعت حضورها من بوابة المقاولات
يأتي في مقدمة الشركات الصينية العاملة في مصر الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية «CSCEC»، التي بدأت نشاطها في السوق المصرية عام 1984، قبل أن تتوسع أعمالها وتشارك في تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى، ومن أبرز مشروعاتها تصميم وتنفيذ حي المال والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، بما يشمل البرج الأيقوني، إلى جانب مشاركتها في تنفيذ أبراج مدينة العلمين الجديدة.
كما يمثل قطاع النقل أحد أبرز مجالات الحضور الصيني في مصر، من خلال شركة إنشاءات السكك الحديدية الصينية «CRCC»، التي تعمل في مشروعات السكك الحديدية والنقل والأنفاق، ومن بينها مشروعات مرتبطة بشبكة القطار الكهربائي الخفيف.
ويبرز كذلك اسم شركة الصين لهندسة الموانئ «CHEC» في مشروعات البنية الأساسية والنقل البحري وتطوير الموانئ، ضمن خطط الدولة لتعزيز قدرات الموانئ المصرية وربطها بالمحاور اللوجستية والتجارية.
وتكشف هذه المشروعات عن قاعدة فنية وتنفيذية صينية واسعة في مصر، إلا أن الانتقال من تنفيذ المشروعات لحساب الغير إلى امتلاك الأراضي وتطويرها وتسويق الوحدات وتحقيق عوائد استثمارية مباشرة يمثل تحولًا مختلفًا في طبيعة العلاقة مع السوق.
فجوة المعروض.. فرصة أمام المطور الصيني
يرى أسامة سعد الدين، المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات، أن تعزيز العلاقات المصرية الصينية يمكن أن يدعم دخول استثمارات صينية جديدة إلى السوق، بما فيها القطاع العقاري.
وقال إن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تمثل رسالة ثقة وتشجيع لرجال الأعمال والمستثمرين الصينيين، موضحًا أن الشركات الصينية تمتلك خبرات قوية في تنفيذ المشروعات الكبرى والأبراج، ولديها بالفعل قاعدة أعمال واسعة داخل السوق المصرية.
وأشار كمال في تصريحات له نشرتها صحيفة “البورصة”، إلى أن انتقال هذه الشركات من دور المقاول إلى دور المستثمر والمطور العقاري يمكن أن يضيف مصدرًا جديدًا لرأس المال إلى السوق، خاصة مع توافر مساحات واسعة من الأراضي القابلة للتنمية.
وأضاف سعد الدين أن السوق المصرية مفتوحة أمام المستثمرين الأجانب، وأن دخول المستثمر الصيني إلى التطوير العقاري يمكن أن يتم على نطاق واسع، خاصة مع وجود طلب محلي وخارجي على العقارات المصرية.
وأوضح أن السوق العقارية تواجه فجوة بين الاحتياجات السنوية وحجم التنفيذ، مشيرًا إلى أن الاحتياج يقدر بنحو 800 ألف إلى مليون وحدة سنويًا، مقابل تنفيذ يصل في أفضل الأحوال إلى نحو 600 ألف وحدة، وهو ما يوفر مساحة أمام دخول مطورين جدد.
لكن سعد الدين يرى أن جذب استثمارات صينية ضخمة إلى التطوير العقاري يتطلب وجود قواعد مستقرة وواضحة فيما يتعلق بعقود البيع ونسب التحميل ومواعيد التسليم وغيرها من عناصر السوق، حتى يتمكن المستثمر من إعداد دراسات جدوى دقيقة وتحديد حجم استثماراته والعائد المتوقع.
وأكد أن وضوح القواعد والمصداقية واستقرار بيئة الأعمال تمثل عوامل حاسمة بالنسبة للمستثمر الأجنبي عند اتخاذ قرار ضخ استثمارات طويلة الأجل.
هل يفضل الصينيون الصناعة على العقارات؟
في المقابل، يرى فتح فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، أن انتقال الشركات الصينية إلى دور المطور العقاري لا يزال مستبعدًا نسبيًا في الوقت الحالي، رغم وجود شركات صينية قوية تعمل في مصر في قطاع المقاولات.
وأوضح أن الاستثمارات الصينية القائمة تتركز بصورة أكبر في القطاع الصناعي، مشيرًا إلى وجود شركات صينية تستحوذ على مساحات كبيرة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأضاف أن القطاع العقاري المصري لا يزال أكثر جذبًا للمستثمرين الخليجيين، خاصة من الإمارات والسعودية وقطر، في ظل قرب هذه الأسواق جغرافيًا ومعرفة المستثمرين الخليجيين بطبيعة السوق المصرية واحتياجاتها.
واعتبر فوزي أن تكرار نماذج الاستثمارات الخليجية الكبرى في مشروعات مثل رأس الحكمة والعلمين الجديدة مع مستثمرين صينيين يبدو مستبعدًا في المدى القريب، مرجحًا استمرار تركيز الشركات الصينية على الصناعة، خاصة في المناطق الصناعية مثل السادس من أكتوبر والسادات.
ومع ذلك، يرى أن زيارة الرئيس الصيني يمكن أن تفتح المجال أمام مباحثات جديدة بشأن الاستثمارات الصينية، مع استمرار إعطاء الأولوية للقطاع الصناعي باعتباره أحد المجالات الأكثر قدرة على جذب استثمارات صينية طويلة الأجل.
شراكات مصرية ـ صينية بدلًا من المنافسة
من جانبه، يرى المهندس عمر صبور، عضو جمعية رجال الأعمال المصريين والرئيس التنفيذي لشركة المهندس الاستشاري حسين صبور، أن المرحلة المقبلة يجب أن تستهدف الانتقال بالعلاقات المصرية الصينية من التعاون التجاري وتنفيذ المشروعات إلى شراكات استثمارية وإنتاجية يقودها القطاع الخاص.
وقال إن مصر تمتلك مجموعة من المقومات التي يمكن أن تجعلها قاعدة مناسبة للاستثمارات الصينية، من بينها موقعها الاستراتيجي، وتطور البنية الأساسية، وتوافر المناطق الصناعية والموانئ، فضلًا عن إمكانية الوصول من خلالها إلى الأسواق العربية والأفريقية.
ويرى صبور أن الشركات المصرية العاملة في الاستشارات الهندسية والتشييد والتنمية العمرانية تمتلك خبرات متراكمة يمكن توظيفها في إقامة تحالفات مع الشركات الصينية، سواء لتنفيذ مشروعات داخل مصر أو التوسع في أسواق إقليمية.
وبذلك، قد لا يكون دخول الشركات الصينية إلى التطوير العقاري بالضرورة من خلال تأسيس كيانات منفردة، وإنما عبر شراكات بين رأس المال والخبرة الصينية من جهة، والخبرة المحلية ومعرفة السوق من جهة أخرى.
هل تتحول مصر إلى بوابة صينية جديدة للعقار؟
بين فرص السوق وتحفظات المستثمرين، يبدو أن انتقال الشركات الصينية من المقاولات إلى التطوير العقاري في مصر ليس تحولًا محسومًا بعد، لكنه أصبح احتمالًا قابلًا للنقاش مع اتساع قاعدة الشركات الصينية العاملة في السوق وتراكم خبراتها في تنفيذ المدن والمجتمعات العمرانية والمشروعات الكبرى.
وقد يكون السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الأولى هو ظهور تحالفات وشراكات مصرية صينية في مشروعات عقارية أو متعددة الاستخدامات، بدلًا من دخول منفرد واسع النطاق، خاصة أن الشركات الصينية تمتلك القدرات الفنية والتمويلية، بينما يمتلك المطور المحلي معرفة أعمق بالسوق المصرية وآليات التسويق والطلب.
وفي جميع الأحوال، فإن تحول الشركات الصينية من مجرد منفذ للمشروعات إلى مستثمر يمتلك ويطور الأصول سيعني تغيرًا نوعيًا في طبيعة الاستثمارات الصينية في مصر، ويفتح مصدرًا جديدًا لرأس المال الأجنبي أمام القطاع العقاري.
لكن حسم هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة السوق المصرية على توفير أراضٍ استثمارية بشروط واضحة، وقواعد مستقرة، وآليات خروج وعائد استثماري جاذبة؛ وهي عوامل ستحدد ما إذا كان الحضور الصيني في العقارات سيتحول من مجرد تنفيذ للمشروعات إلى امتلاك وتطوير واستثمار طويل الأجل.







