تتجه الحكومة المصرية إلى التعامل مع ملف المطورين العقاريين المتعثرين وفق آلية أكثر دقة، تستبعد تقديم تيسيرات جماعية جديدة، مقابل دراسة كل حالة على حدة وتشديد الرقابة على معدلات التنفيذ ومواعيد تسليم الوحدات، بالتوازي مع إعداد قواعد جديدة لتنظيم نشاط التطوير العقاري وحماية حقوق المشترين.
وقال أمجد حسنين، عضو اللجنة الاستشارية للتنمية العمرانية وتصدير العقار بمجلس الوزراء، إن الحكومة لا تتجه في الوقت الحالي إلى تقديم تيسيرات جديدة للمطورين المتعثرين، موضحًا أن التعامل سيكون وفق ظروف كل مشروع وحالة على حدة، مع التركيز على فرز الشركات غير الجادة وضبط آليات عمل السوق.
وتأتي هذه التحركات عقب اجتماع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مع عدد من كبار المطورين العقاريين، حيث طالب بسرعة الانتهاء من الملاحظات والمقترحات الخاصة بمشروع قانون ينظم سوق التطوير العقاري، تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب لمناقشته.
تصنيف المطورين حسب الملاءة والقدرة على التنفيذ
وأوضح حسنين أن أحد أبرز الملفات التي جرى بحثها يتمثل في وضع قواعد لتصنيف المطورين العقاريين، بحيث تستند إلى مجموعة من المعايير، من بينها حجم الأعمال، والملاءة المالية، والقدرة التشغيلية والتنفيذية للشركة.
ويستهدف التصنيف وضع إطار أكثر وضوحًا لتحديد الشركات القادرة على تنفيذ المشروعات التي تتولى تطويرها، إلى جانب وضع شروط للقيد ومزاولة نشاط التطوير العقاري.
ومن شأن هذه القواعد أن تتيح التفرقة بين الشركات وفق قدراتها الفعلية، بدلًا من التعامل مع جميع المطورين باعتبارهم فئة واحدة، خصوصًا في ظل اختلاف حجم المشروعات والالتزامات المالية والفنية من شركة إلى أخرى.
الحكومة تحصر المشروعات المتعثرة
وتجري الحكومة في الوقت نفسه حصرًا للمشروعات العقارية المتعثرة على مستوى الجمهورية، ومن المنتظر إعلان نتائج الحصر خلال أكتوبر المقبل، وفق تصريحات سابقة لطارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية.
ويستند تحديد التعثر إلى مواعيد التسليم الواردة في العقود المبرمة مع العملاء، بما يعني عدم اعتبار المشروع متعثرًا لمجرد أنه لا يزال تحت التنفيذ، طالما أن الموعد التعاقدي لتسليم الوحدة لم يحن بعد.
ويقترب عدد الوحدات العقارية قيد التنفيذ في مصر من 500 ألف وحدة، وهو ما يعكس اتساع حجم المشروعات التي ستخضع لعملية المراجعة والحصر.
وجاءت هذه الخطوة بعد توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي في أغسطس الماضي بتفقد المشروعات العقارية الجاري تنفيذها في مختلف أنحاء الجمهورية، والتحقق من الالتزام بمواعيد التسليم والعقود المبرمة مع المشترين، ومحاسبة الشركات المخالفة.
لماذا يمثل التعثر مشكلة أكبر في نظام البيع على الخريطة؟
تكتسب عملية ضبط مواعيد التنفيذ أهمية خاصة في السوق المصرية، نظرًا لاعتماد نسبة كبيرة من شركات التطوير العقاري على نظام البيع قبل اكتمال الإنشاءات.
وفي هذا النموذج، يدفع العميل مقدمًا عند التعاقد، ثم يسدد باقي قيمة الوحدة على أقساط تمتد لسنوات، بينما تعتمد الشركة على التدفقات النقدية الناتجة عن عمليات البيع في تمويل جزء من تكاليف الإنشاء.
وبالتالي، فإن انتظام المبيعات والتحصيل يرتبط بصورة مباشرة بقدرة المطور على مواصلة تنفيذ المشروع، وهو ما يجعل أي اضطراب في التدفقات النقدية أو ارتفاع حاد في تكاليف البناء عاملًا يمكن أن يؤثر على الجداول الزمنية للتنفيذ.
قانون جديد لتنظيم نشاط التطوير العقاري
وتستعد الحكومة لعقد جلسات تفصيلية مع المطورين لمناقشة مواد مشروع قانون اتحاد المطورين العقاريين قبل عرضه على مجلس الوزراء ثم إحالته إلى مجلس النواب.
ويضع مشروع القانون المقترح إطارًا لتنظيم نشاط التطوير العقاري، يتضمن قواعد لممارسة النشاط، وميثاق شرف للمطورين، وآليات لتصنيف وترتيب الشركات، وشروطًا للقيد في الاتحاد ومزاولة النشاط.
كما يتضمن المشروع تدابير تستهدف حماية العملاء في حالات تعثر المشروعات، إلى جانب تحديد التزامات المطورين تجاه المتعاقدين.
ويأتي ذلك في إطار توجه نحو ربط حجم المشروعات التي يتولاها المطور بقدرته المالية والفنية والتشغيلية، بما يقلل من احتمالات تولي شركات محدودة الإمكانات مشروعات تتجاوز قدرتها على التنفيذ.
هل تشمل الإجراءات جميع المطورين؟
بحسب تصريحات أمجد حسنين، فإن حجم المشروعات المتعثرة لا يزال محدودًا مقارنة بالحجم الإجمالي للسوق، كما لا يتجاوز عدد المطورين الفعليين العاملين في السوق نحو 1000 مطور.
ويعني ذلك أن الاتجاه الحكومي لا يستهدف التعامل مع السوق العقارية باعتبارها تعاني تعثرًا عامًا، وإنما يركز على تحديد الحالات المتعثرة بدقة وفصلها عن المشروعات التي تسير وفق جداولها التعاقدية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنسبة للمشترين، إذ إن تحديد المشروع المتعثر وفق معايير واضحة يمكن أن يساعد في وضع آلية مختلفة للتعامل مع الحالات التي تجاوزت مواعيد التسليم، مقارنة بالمشروعات التي لا تزال ضمن الجدول الزمني المتفق عليه.
ماذا يعني ذلك لمشتري الوحدة العقارية؟
بالنسبة للمشتري، فإن القواعد المقترحة تعني اتجاهًا نحو زيادة أهمية الإفصاح عن قدرة المطور وسجل أعماله قبل التعاقد، إلى جانب وجود قواعد أكثر وضوحًا بشأن التزامات الشركة ومواعيد التنفيذ والتسليم.
كما أن تصنيف المطورين وفق الملاءة المالية وحجم الأعمال والقدرة على التنفيذ قد يوفر للمشتري مؤشرات إضافية عند تقييم الشركة والمشروع قبل اتخاذ قرار الشراء.
وفي المقابل، فإن التفاصيل النهائية لهذه الآليات ستتوقف على الصيغة التي سيستقر عليها مشروع القانون بعد مناقشاته مع المطورين والحكومة والجهات المعنية، وقبل إقراره بصورة نهائية.
خلاف حول حجم التعثر في السوق
ويأتي التحرك الحكومي وسط تباين في تقديرات حجم مشكلة التعثر بالسوق العقارية.
فقد قلل هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي لمجموعة طلعت مصطفى القابضة، من حجم المشكلة، مشيرًا في تصريحات تلفزيونية إلى أن نسبة الشركات العقارية التي تواجه تعثرًا في التنفيذ تتراوح بين 1% و2%.
وربط مصطفى جزءًا من حالات التعثر لدى بعض المشترين بدخول مستثمرين أفراد إلى السوق بهدف المضاربة خلال أواخر 2023 ومطلع 2024، قبل أن يواجه بعضهم صعوبة في مواصلة سداد الأقساط والخروج من الوحدات.
وتشير هذه التصريحات إلى اختلاف طبيعة «التعثر» بين عدم قدرة المطور على تنفيذ المشروع في موعده وبين عدم قدرة بعض العملاء على استكمال التزاماتهم المالية.
العقارات تمثل 10% إلى 11% من الاقتصاد المصري
وتزداد أهمية تنظيم السوق العقارية بالنظر إلى الوزن الاقتصادي للقطاع، إذ تمثل الأنشطة العقارية نحو 10% إلى 11% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر وفق البيانات المشار إليها من البنك المركزي المصري.
كما يضم السوق عددًا كبيرًا من المشروعات والوحدات التي يجري تنفيذها على فترات زمنية طويلة، ما يجعل استقرار الشركات وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها عاملًا مؤثرًا ليس فقط على المشترين، ولكن أيضًا على الصناعات المرتبطة بالتشييد ومواد البناء والتمويل والخدمات العقارية.
أرباح كبار المطورين ترتفع رغم تحديات السوق
وفي الوقت الذي تناقش فيه الحكومة ملف التعثر وتنظيم السوق، واصلت شركات عقارية كبرى تحقيق نمو في نتائج أعمالها.
وارتفع صافي أرباح أكبر 3 شركات عقارية مدرجة في البورصة المصرية، وهي طلعت مصطفى القابضة وسوديك وبالم هيلز، بنحو 8% خلال النصف الأول من 2026، ليصل إجمالي أرباحها إلى نحو 13 مليار جنيه.
كما ارتفعت إيرادات النشاط المجمعة للشركات الثلاث بنحو 28.7% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 42.46 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام التباين داخل السوق العقارية المصرية بين الشركات والمشروعات، إذ تستمر الشركات الكبرى في تحقيق نمو مالي، في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على تحديد حالات التعثر ووضع إطار أكثر تنظيمًا لممارسة نشاط التطوير العقاري.
ماذا بعد حصر المشروعات المتعثرة؟
من المنتظر أن يمثل إعلان نتائج الحصر الحكومي خلال أكتوبر المقبل خطوة مهمة في تحديد الحجم الفعلي للتعثر، وعدد المشروعات المتأخرة، وأسباب التأخير، ومدى ارتباطه بقدرة المطور أو بظروف المشروع أو بالتزامات العملاء.
وبناءً على نتائج الحصر، يمكن أن تتضح بصورة أكبر آليات التعامل مع كل حالة، في ظل الاتجاه الحكومي نحو عدم تقديم حلول جماعية للمطورين المتعثرين، والتركيز بدلًا من ذلك على تقييم كل مشروع على حدة، مع تشديد الرقابة على التنفيذ وحماية حقوق المشترين.
وبالتوازي، يستهدف الإطار التشريعي الجديد وضع قواعد أكثر وضوحًا لدخول وممارسة نشاط التطوير العقاري، بما يربط بين حجم المشروع وقدرات المطور المالية والتنفيذية، ويعزز الانضباط في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على أموال العملاء خلال مراحل التنفيذ.







