كشفت واقعة حصول إحدى المدارس الدولية على تسهيلات ائتمانية بأسماء عدد من أولياء الأمور، دون علمهم أو موافقتهم، عن أهمية الضوابط الرقابية والقانونية المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي، في ظل وصول قيمة التمويلات محل التحقيق إلى مئات الملايين من الجنيهات.
وبحسب ما أعلنته النيابة العامة، فقد أمرت بحبس رئيس مجلس إدارة إحدى المدارس الدولية احتياطيًا، على خلفية اتهامه بالحصول على تسهيلات ائتمانية بأسماء أولياء أمور باستخدام بيانات وصور مستندات وتوقيعات منسوبة إليهم، دون علمهم أو موافقتهم.
وأوضحت التحقيقات أن الشركة المانحة للتسهيلات أبرمت 839 عقدًا بقيمة إجمالية بلغت 321 مليون جنيه، وفقًا لما أفاد به ممثل الشركة أمام النيابة، بينما أشارت التقارير المنشورة بشأن الواقعة إلى أرقام أخرى تتعلق بإجمالي التمويلات والعملاء محل التحقيق، وهو ما يجعل الأرقام النهائية خاضعة لما تسفر عنه التحقيقات.
القانون يحدد عقوبات مشددة على المخالفات
وتنظم أحكام القانون رقم 18 لسنة 2020 بإصدار قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي، والمعدل بالقانون رقم 158 لسنة 2022، الإطار القانوني لعمل شركات التمويل الاستهلاكي، إلى جانب تحديد التدابير والعقوبات المقررة حال مخالفة الشركات للقواعد المنظمة للنشاط.
وتنص المادة 22 على أنه في حال مخالفة شركة التمويل الاستهلاكي لأحكام القانون أو القرارات الصادرة تنفيذًا له، أو فقدان أحد شروط الترخيص، أو ارتكاب ما من شأنه تهديد استقرار السوق أو مصالح المساهمين أو المتعاملين، يجوز اتخاذ عدد من التدابير، من بينها منع الشركة من إبرام عقود تمويل جديدة لمدة لا تزيد على 6 أشهر، فضلًا عن إلغاء ترخيص مزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي.
كما تتضمن مواد القانون عقوبات جنائية على ممارسة النشاط دون ترخيص أو مخالفة بعض الأحكام المنظمة له، حيث تنص المادة 25 على الحبس والغرامة التي لا تقل عن 200 ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه، أو إحدى العقوبتين في الحالات التي حددها القانون، مع تعدد الغرامات بتعدد المجني عليهم.
وفي سياق آخر، تعاقب المادة 28 مكرر على استخدام الغش أو التدليس للامتناع عن تنفيذ الالتزامات المالية المقررة بموجب عقد التمويل، بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 5 آلاف جنيه ولا تزيد على ضعفي المتبقي من قيمة التمويل محل العقد، أو بإحدى العقوبتين.
ويجيز القانون التصالح في الجرائم المشار إليها وفق الضوابط والإجراءات المحددة، بما يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة للجريمة محل التصالح.
مسؤولية الإدارة الفعلية للشركات
ولا تقف المسؤولية القانونية عند حدود الشركة كشخص اعتباري، إذ تنص المادة 30 على معاقبة المسؤول عن الإدارة الفعلية للشركة بالعقوبات المقررة عن المخالفات التي ترتكب بالمخالفة لأحكام القانون، متى ثبت علمه بها أو كانت المخالفة قد وقعت نتيجة إخلاله بواجباته الوظيفية.
وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة في وقائع التمويل التي تتضمن مخالفات في إجراءات التعاقد أو التحقق من هوية العملاء، إذ تحدد المسؤولية بحسب الدور الفعلي في الإدارة ومدى العلم بالمخالفة أو الإخلال بالواجبات.
وتأتي واقعة المدرسة الدولية في وقت يشهد فيه قطاع التمويل الاستهلاكي توسعًا ملحوظًا، حيث أكد إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن القطاع يخضع لمجموعة من الضوابط التي تستهدف حماية العملاء من تحمل أعباء مالية تتجاوز قدرتهم على السداد.
وأوضح أن منح أي حد ائتماني يجب أن يستند إلى القدرة المالية للعميل ودخله الشهري، بحيث لا تتجاوز الالتزامات نسبة 50% من الدخل الشهري، بهدف الحد من مخاطر التعثر وعدم تحميل العملاء أعباء تفوق قدراتهم المالية.
كما شدد على أهمية الربط بين شركات التمويل وشركة الاستعلام الائتماني، بما يسمح بتقييم الموقف الائتماني للعميل وقدرته على السداد قبل اتخاذ القرار التمويلي.
التحقق من هوية العميل.. خط الدفاع الأول
وشدد رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية على ضرورة الالتزام بإجراءات التعرف على العميل (KYC)، والتي تشمل التحقق من هوية المتقدم للحصول على التمويل وبياناته من خلال بطاقة الرقم القومي، والتأكد من أن الشخص المتقدم للحصول على التمويل هو بالفعل صاحب البيانات والمستندات المستخدمة في إجراءات التعاقد.
وتبرز أهمية هذه الإجراءات بصورة أكبر في ضوء الواقعة محل التحقيق، إذ تتعلق الاتهامات باستخدام بيانات ومستندات وتوقيعات منسوبة إلى أولياء أمور دون علمهم، وهو ما يجعل آليات التحقق من هوية طالب التمويل وصحة المستندات المقدمة عنصرًا أساسيًا في منظومة حماية العملاء.
أكثر من 8 ملايين مستفيد خلال 6 أشهر
وفي مؤشر على حجم النشاط، كشف عزام أن عدد المستفيدين من خدمات التمويل الاستهلاكي تجاوز 8 ملايين عميل خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، بما يعكس اتساع قاعدة المتعاملين مع القطاع وتزايد دوره في تمويل شراء السلع والخدمات.
وتفرض هذه الزيادة في أعداد العملاء، بالتوازي مع توسع شركات التمويل، أهمية أكبر لتشديد إجراءات التحقق والاستعلام الائتماني وحوكمة عمليات منح التمويل، بما يضمن تحقيق التوازن بين التوسع في الشمول المالي من ناحية، وحماية حقوق العملاء واستقرار السوق من ناحية أخرى.
وبذلك تكشف واقعة «قروض المدرسة الدولية» أن القضية لا تتعلق فقط بمدى صحة العقود والبيانات محل التحقيق، وإنما تضع منظومة منح التمويل الاستهلاكي وآليات التحقق من هوية العملاء أمام اختبار مهم، خاصة مع النمو السريع للقطاع واتساع قاعدة المستفيدين منه.







