أكد الدكتور عمرو عزت سلامة، الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية، أن الجامعات العربية أصبحت مطالبة بإحداث تحول جذري في أدوارها، والانتقال من مجرد مؤسسات تمنح الشهادات الأكاديمية إلى كيانات فاعلة تقود الاقتصاد المعرفي والابتكار والتكنولوجيا، مشددًا على أن منظومة التعليم العالي في الوطن العربي تقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب التركيز على الجودة والتنافسية العالمية بدلاً من التوسع الكمي فقط.
وقال سلامة، في حوار مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، إن العالم العربي يضم نحو 1300 جامعة وأكثر من 13 مليون طالب، ما يعكس اتساع قاعدة التعليم العالي، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الجامعات على إنتاج المعرفة وتوظيف البحث العلمي لخدمة التنمية الاقتصادية واحتياجات سوق العمل، مع تعزيز الابتكار والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن مصر تمثل نموذجًا بارزًا في تطوير منظومة التعليم العالي، حيث تضم نحو 131 جامعة متنوعة بين حكومية وخاصة وأهلية وتكنولوجية وفروع لجامعات دولية، بإجمالي يقارب 3.9 مليون طالب، مؤكدًا أن الدولة المصرية نفذت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكبر عمليات تطوير التعليم الجامعي في تاريخها الحديث.
الجامعات محرك للتنمية والاقتصاد
وأوضح الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية أن التجارب الدولية الناجحة في دول مثل سنغافورة والصين وكوريا الجنوبية أثبتت أن الجامعات أصبحت ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي والتحول التكنولوجي، لافتًا إلى أن الجامعات العربية تمتلك المقومات اللازمة للقيام بالدور نفسه إذا استمرت جهود تطوير الجودة والتحول الرقمي وتعزيز الحوكمة.
وحول أبرز التحديات التي تواجه التعليم العالي العربي، أشار إلى أن ضمان الجودة، ومواءمة البرامج الأكاديمية مع متطلبات الاقتصاد الرقمي، وتوفير التمويل المستدام، وتعزيز الابتكار ونقل التكنولوجيا، والتوسع في الشراكات الدولية، تمثل أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة خلال المرحلة المقبلة.
وأكد سلامة أهمية تنويع مصادر تمويل الجامعات وعدم الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي، من خلال تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والاستثمار في براءات الاختراع والأوقاف الجامعية، على غرار النماذج العالمية الرائدة.
إشادة بالتجربة المصرية
وأشاد وزير التعليم العالي الأسبق بالتوسع المصري في إنشاء الجامعات التكنولوجية، التي وصل عددها إلى 14 جامعة، إلى جانب التوسع في الجامعات الأهلية وتطوير التخصصات الحديثة المرتبطة بعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تحسن ترتيب عدد من الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية.
كما أكد الأهمية الاستراتيجية لفروع الجامعات الأجنبية في مصر، موضحًا أنها تسهم في توفير تعليم عالمي داخل البلاد، وتخفيف الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالدراسة بالخارج، إلى جانب رفع مستوى التنافسية بين المؤسسات التعليمية وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتعليم العالي.
وأشار إلى توسع الجامعات المصرية في برامج الشهادات المشتركة مع الجامعات الدولية، مشيدًا بالمبادرات التي تربط البحث العلمي بالصناعة وتسهم في تحويل الابتكارات إلى مشروعات وشركات ناشئة ذات قيمة اقتصادية.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل التعليم وسوق العمل
وأكد سلامة أن الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر تحول يشهده قطاع التعليم العالي منذ ظهور الإنترنت، موضحًا أن الجامعة الحديثة أصبحت تعتمد على النظم الذكية والبيانات في إدارة العملية التعليمية وصنع القرار.
ولفت إلى أن تقارير دولية تتوقع تغير نحو 39% من المهارات المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030، مع ظهور ملايين الوظائف الجديدة واختفاء وظائف أخرى، الأمر الذي يفرض على الجامعات تبني نماذج تعليمية أكثر مرونة تعتمد على تنمية المهارات والشهادات المصغرة والتعلم المستمر.
وشدد على أن المهارات الإنسانية، مثل التفكير النقدي والإبداع والقيادة والذكاء العاطفي، ستظل تمثل القيمة المضافة التي يصعب على التكنولوجيا استبدالها.
البحث العلمي والتنافسية العالمية
وأوضح أن البحث العلمي العربي شهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن، إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية وابتكارات وبراءات اختراع وشركات ناشئة تسهم في معالجة قضايا التنمية.
ودعا إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي والابتكار ليصل إلى ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، مقارنة بالمعدلات الحالية التي تدور حول 1% في معظم الدول العربية.
مبادرات اتحاد الجامعات العربية
واستعرض سلامة أبرز المبادرات التي ينفذها اتحاد الجامعات العربية، الذي يضم أكثر من 450 جامعة، وفي مقدمتها مشروع التصنيف العربي للجامعات، والإطار العربي الموحد للمؤهلات، والصندوق العربي للبحث العلمي، إضافة إلى مبادرات التحول الرقمي والمكتبة الرقمية العربية ومركز الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وأكد أن الاتحاد يواصل دعم التعاون الأكاديمي والبحثي بين الجامعات العربية وتعزيز الشراكات الدولية، إلى جانب دعم الجامعات الفلسطينية لضمان استمرارية العملية التعليمية.
واختتم الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل التعليم العالي العربي يعتمد على الانتقال من مرحلة إنتاج المعرفة إلى توظيفها في خدمة التنمية والاقتصاد، مشيرًا إلى أن الجامعات العربية قادرة على تحقيق قفزات نوعية خلال السنوات المقبلة إذا استمرت برامج الإصلاح والتطوير الحالية.







