تتجه مجموعة «الفطيم» الإماراتية إلى توسيع استثماراتها في السوق المصرية، مستفيدة من حضور يمتد لنحو 50 عامًا، ومن تنوع الفرص التي يتيحها الاقتصاد المصري في قطاعات العقارات والتجزئة والسيارات والخدمات اللوجستية والطاقة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تبحث فيه الحكومة المصرية عن جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع التركيز على المشروعات التي تضيف طاقات إنتاجية وخدمية جديدة، وتدعم سلاسل الإمداد، وتزيد مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وخلال اجتماع جمع وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد، بعمر الفطيم، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «الفطيم»، في 26 سبتمبر 2026، ناقش الجانبان فرص توسع المجموعة في الخدمات اللوجستية، وتطوير وإدارة المجمعات التجارية والإدارية، ومشروعات الطاقة، إلى جانب التوسع في المناطق الاستثمارية.
لماذا ترى «الفطيم» فرصًا في السوق المصرية؟
يمثل حجم السوق المصري أحد أهم العوامل التي تجعل الاستثمار طويل الأجل جذابًا للمجموعات الكبرى؛ إذ تشير بيانات وزارة الاستثمار إلى أن عدد السكان داخل مصر تجاوز 107 ملايين نسمة وفق تقديرات بداية 2025، مع قاعدة استهلاكية كبيرة واحتياجات متزايدة في قطاعات السكن والتجزئة والخدمات والنقل.
وتشير وزارة الاستثمار كذلك إلى أن مصر تتمتع بموقع يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، إلى جانب قناة السويس وشبكة من اتفاقيات التجارة التي تتيح الوصول إلى أسواق إقليمية ودولية واسعة.
وتزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى «الفطيم» تحديدًا، بالنظر إلى طبيعة أعمالها التي تعتمد على الأسواق الاستهلاكية، والتجارة، والعقارات، والسيارات، وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
كما أن المجموعة أعلنت في يناير 2026 أن مصر تمثل إحدى أسواق النمو ذات الأولوية لديها، مع إعادة تنظيم عملياتها المحلية تحت قيادة رئيس تنفيذي واحد بهدف مواءمة الاستراتيجية وتخصيص رأس المال والأولويات التشغيلية داخل السوق المصرية.
العقارات.. قاعدة رئيسية لاستثمارات «الفطيم»
يأتي التطوير العقاري في مقدمة الأنشطة التي بنت من خلالها «الفطيم» حضورها في مصر، ويبرز مشروع كايرو فستيفال سيتي في القاهرة الجديدة باعتباره نموذجًا لمجتمع عمراني متعدد الاستخدامات يجمع بين السكن والتجارة والأعمال والترفيه.
ويمتد المشروع على نحو 3 ملايين متر مربع، منها 500 ألف متر مربع مساحات خضراء، ويضم مناطق سكنية، ومركزًا تجاريًا إقليميًا، ومنطقة أعمال، ومدرسة دولية، ومنطقة متخصصة للسيارات.
وتضم منطقة الأعمال في كايرو فستيفال سيتي أكثر من 259 ألف متر مربع من المساحات المكتبية، وتستضيف أكثر من 40 شركة متعددة الجنسيات، وتدعم قوة عاملة تصل إلى نحو 26 ألف موظف.
وهذا النوع من المشروعات لا يقتصر أثره الاقتصادي على بيع أو تأجير العقارات، بل يخلق منظومة متكاملة من الأنشطة حول المشروع، تشمل الإنشاءات، والتجزئة، والخدمات، والمطاعم، والنقل، والصيانة، والأمن، والإدارة، والخدمات المهنية.
التجزئة.. جذب العلامات العالمية وتنشيط الإنفاق
تمثل تجارة التجزئة محورًا آخر في نشاط «الفطيم» داخل مصر، من خلال تشغيل وإدارة علامات تجارية ومنافذ بيع ومرافق تجارية، إلى جانب كايرو فستيفال سيتي مول.
ويستقبل المول نحو 18.5 مليون زائر سنويًا، ويضم أكثر من 265 علامة في قطاعات التجزئة والمطاعم والترفيه، وفق بيانات المجموعة.
وفي سبتمبر 2026، أطلقت «الفطيم» شراكة مع شركة «فوري» لتطوير منظومة للتجارة الرقمية داخل كايرو فستيفال سيتي مول، تجمع بين المدفوعات والمكافآت وخيارات الدفع المرنة، في خطوة تعكس اتجاه المجموعة إلى دمج الاستثمار العقاري والتجزئة مع التكنولوجيا المالية والتحول الرقمي.
وتظهر أهمية هذا النشاط بالنسبة للاقتصاد من خلال تنشيط حركة التجارة، وزيادة أعمال الموردين والمستأجرين، وإتاحة مساحات للعلامات المحلية والعالمية، إلى جانب خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة.
السيارات.. من البيع إلى منظومة متكاملة للخدمات
يمثل قطاع السيارات مجالًا آخر ضمن محفظة «الفطيم»، إذ تشمل أنشطة المجموعة في هذا القطاع مبيعات السيارات والخدمات والصيانة والأساطيل والحلول اللوجستية والنقل المستدام، مع محفظة علامات عالمية تشمل تويوتا ولكزس وهوندا وغيرها.
وفي مصر، يظهر النشاط المرتبط بالسيارات ضمن منظومة كايرو فستيفال سيتي، التي تضم منطقة متخصصة للسيارات تستضيف علامات مثل تويوتا وهوندا ولكزس.
ويمتد الأثر الاقتصادي لهذا القطاع إلى ما هو أبعد من مبيعات السيارات، ليشمل خدمات ما بعد البيع، والصيانة، وقطع الغيار، والتمويل، والتأمين، والنقل، والخدمات اللوجستية، وهو ما يوسع دائرة المستفيدين من الاستثمار.
اللوجستيات.. الرهان الجديد
من أبرز ما يكشف عن المرحلة المقبلة في استثمارات «الفطيم» بمصر دخول الخدمات اللوجستية ضمن القطاعات التي تبحث المجموعة فرص التوسع فيها.
وخلال اجتماعها الأخير مع وزير الاستثمار، ناقشت المجموعة إقامة مشروعات لوجستية تدعم الشركات الصناعية والتجارية، وتطور سلاسل الإمداد، وتحسن قدرة الشركات على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وتتوافق هذه الخطوة مع الميزة الجغرافية لمصر، التي تمثل نقطة اتصال بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، فيما توفر قناة السويس موقعًا استراتيجيًا لسلاسل التجارة العالمية. وتؤكد الهيئة العامة للاستثمار أن الموقع الجغرافي وقناة السويس وشبكات النقل والتجارة تمثل من أبرز عوامل الجاذبية للاستثمار في مصر.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في اللوجستيات يمكن أن يخفض تكاليف ووقت تداول السلع، ويرفع كفاءة التخزين والتوزيع، ويدعم المصنعين والمصدرين، وبالتالي قد تكون آثاره أوسع من العائد المباشر على المشروع نفسه.
الطاقة والمناطق الاستثمارية.. مجالات جديدة للتوسع
لم تقتصر المباحثات الأخيرة بين الحكومة و«الفطيم» على العقارات والتجزئة واللوجستيات، بل شملت أيضًا فرصًا في مشروعات الطاقة والتوسع في المناطق الاستثمارية.
ويعكس ذلك توجه المجموعة إلى تنويع محفظتها داخل مصر بدلًا من الاعتماد على نشاط واحد، وهو ما يتماشى مع طبيعة أعمالها العالمية التي تمتد إلى قطاعات السيارات والتجزئة والعقارات والخدمات المالية وغيرها. وتعمل المجموعة عالميًا في أكثر من 20 دولة ويزيد عدد موظفيها على 40 ألفًا، وفق بياناتها الرسمية.
ماذا تستفيد مصر من استثمارات «الفطيم»؟
يمكن تقسيم العائد الاقتصادي المتوقع من توسع «الفطيم» في مصر إلى عدة مستويات،أهمها هو ضخ رؤوس أموال جديدة من مجموعة إقليمية ذات حضور طويل في السوق المصرية يضيف استثمارات مباشرة، ويعزز قدرة الاقتصاد على جذب وإعادة استثمار رؤوس الأموال الأجنبية.
كما أن المشروعات العقارية والتجارية واللوجستية تحتاج إلى عمالة في مراحل الإنشاء والتشغيل والإدارة والخدمات، فضلًا عن الوظائف غير المباشرة لدى الموردين والمقاولين وشركات الخدمات.
وكلما توسعت مشروعات التجزئة والعقارات واللوجستيات، زاد الطلب على شركات المقاولات، ومواد البناء، والنقل، والصيانة، والأمن، والتكنولوجيا والخدمات المهنية.
في الوقت نفسه، فإن التوسع في مراكز الأعمال والتجزئة والمخازن والخدمات اللوجستية يضيف أصولًا جديدة إلى الاقتصاد، ويرفع كفاءة حركة السلع والخدمات، ووجود مجموعة دولية في قطاعات مثل التجارة الرقمية والعقارات المتكاملة والسيارات واللوجستيات يتيح إدخال نماذج تشغيل وتقنيات جديدة إلى السوق، كما يظهر في الشراكة الأخيرة مع «فوري» لتطوير التجارة الرقمية داخل كايرو فستيفال سيتي.
لماذا يمثل التوسع المقبل أهمية أكبر؟
أهمية المرحلة الجديدة لا تكمن فقط في زيادة عدد المشروعات، وإنما في طبيعة القطاعات التي يجري بحثها، فالانتقال من التركيز على العقارات والتجزئة إلى اللوجستيات والطاقة والمناطق الاستثمارية يعني أن توسع «الفطيم» المحتمل يمكن أن يمتد إلى قطاعات أكثر ارتباطًا بالإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تستهدف فيه الحكومة المصرية زيادة دور القطاع الخاص وجذب استثمارات جديدة في القطاعات القابلة للنمو، فيما تضع الهيئة العامة للاستثمار الخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا ضمن القطاعات ذات الفرص الاستثمارية المهمة.
وبالتالي، فإن استمرار «الفطيم» في ضخ استثمارات جديدة داخل مصر لا يمثل فقط توسعًا لشركة أجنبية في سوق كبيرة، وإنما يمكن أن يضيف إلى الاقتصاد المصري رأس مال جديدًا، وأصولًا إنتاجية وخدمية، وفرص عمل، وسلاسل توريد، وخبرات تشغيلية، وقدرات لوجستية، مع اختلاف حجم الأثر الفعلي بحسب طبيعة المشروعات التي سيتم الاتفاق عليها وتنفيذها خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، فإن إعلان المجموعة استمرار التزامها بالسوق المصرية والبحث عن فرص جديدة، بالتزامن مع مباحثات حكومية حول اللوجستيات والتطوير العقاري والتجاري والطاقة، يشير إلى أن مصر لا تزال تمثل بالنسبة إليها سوقًا استراتيجية طويلة الأجل، وليس مجرد وجهة استثمارية قصيرة المدى.







