تعد التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء في السعودية خطوة ذات أثر اقتصادي إيجابي على المديين المتوسط والبعيد، ودفعة لتنشيط قطاع التشييد والبناء، وتوفير فرص استثمارية جديدة، وجعل السوق العقارية أكثر إنتاجية واستدامة، إضافة إلى أنها ستحد من الممارسات الاحتكارية، بحسب مستثمرين وخبراء تحدثوا لـ”الاقتصادية”.
من بين أبرز التعديلات التي تمت كان رفع نسبة الرسوم السنوية لقيمة الأراضي البيضاء من 2.5 إلى 10%، إضافة إلى فرض رسم سنوي على العقارات الشاغرة غير المستغلة لمدة طويلة دون مسوغ مقبول لأول مرة، حيث لم تكن تلك العقارات مشمولة في النظام السابق.
رفع نسبة الرسوم السنوية لقيمة الأراضي البيضاء من 2.5 إلى 10%
قال رئيس مجلس إدارة شركة إعمار المتقدمة عايد الهرفي “إن تعديل نظام رسوم الأراضي البيضاء وأؤكد حرص الحكومة السعودية على رفع كفاءة وفاعلية النظام للمساهمة في تحقيق التوازن في السوق العقارية؛ الأمر الذي يدفع الجهات المعنية بالعقار إلى الاستجابة باتخاذ إجراءات حقيقية وفعالة لمعالجة الإشكالات والتحديات التي تحد من الاستفادة المثلى من النظام، لأراض بملايين الأمتار”.
وأشار إلى تأخر معالجة معاملات الصكوك العقارية لدى الجهات العدلية لسنوات عديدة، وبالتالي تعذر فرض الرسوم عليها وعدم الاستفادة منها، حيث نصت الفقرة (ب) من المادة التاسعة في اللائحة التنفيذية لنظام رسوم لأراضي البيضاء على عدم تطبيق الرسوم في حال وجود مانع يحول دون تصرف مالك الأرض فيها، وهنا لا يمكن الاستفادة منها كمنتجات سكنية ولا يمكن أيضا فرض الرسوم عليها التي يعود صرفها على مشاريع الإسكان والبنية التحتية.
أكد الباحث والمتخصص في الشأن الاقتصادي الدكتور علي السبيعي، لـ”الاقتصادية”، أن التعديلات الجديدة على رسوم الأراضي البيضاء خطوة ذات أثر اقتصادي إيجابي على المديين المتوسط والبعيد، إذ تسهم في تصحيح اختلالات السوق العقارية، خصوصًا في المدن ذات الكثافة السكانية العالية.
وقال “رفع الرسوم إلى 10%، وتوسيع نطاق الأراضي المشمولة لتشمل كل أرض فضاء قابلة للتطوير داخل النطاق العمراني، يدفعان نحو جعل القطاع العقاري أكثر إنتاجية وفاعلية”.
وأضاف “من المنظور الاقتصادي، تُسهم هذه التعديلات في تحسين كفاءة تخصيص الموارد من خلال تحفيز الملاك على تطوير أراضيهم أو بيعها، ما يزيد من المعروض ويخفض تكاليف التطوير، وبدوره، يخفف ذلك من أزمة الإسكان عبر تقليص تكلفة الأراضي، ويساعد على استقرار أسعار الإيجارات، ولا سيما في المدن التي تعاني فجوات بين العرض والطلب، بما ينسجم مع أهداف السياسات السكانية وتوسيع قاعدة التملك”.
وذكر أن تحفيز عمليات التطوير العقاري من خلال هذه الرسوم من شأنه أن ينشّط قطاعات اقتصادية مرتبطة، مثل قطاع التشييد والبناء، ما ينعكس إيجاباً على معدلات التوظيف ويسهم في دعم النمو الاقتصادي بشكل عام.
وقال “إن هذه التعديلات لا تُعد مجرد إجراء تنظيمي، بل تمثل أداة فعالة في دعم التوازن بين العرض والطلب، وتعزيز الكفاءة الاقتصادية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير بيئة عمرانية مستدامة وأسواق عقارية أكثر انضباطاً وشفافية”.
قرار يعيد تشكيل مستقبل عقاري وإسكاني أكثر استدامة وموثوقية
الدكتور ماجد الركبان المختص في القطاع العقاري أوضح أن قرار مجلس الوزراء الخاص بتعديل رسوم الأراضي سيساعد على تشكيل مستقبل عقاري وإسكاني أكثر استدامة وموثوقية.
وأكد أن هذا القرار شمل حزمة من التعديلات ستنعكس بشكل إيجابي على السوق العقارية من حيث توازن العرض والطلب وتحقيق الاستفادة القصوى من الأصول العقارية غير المستغلة وإدخالها إلى الدورة الاقتصادية من جديد.
وأضاف، لـ”الاقتصادية”، أن “تعديلات النظام الجديدة التي نصت على تعديل نسبة الرسوم لتصل إلى 10% من قيمة الأراضي البيضاء ستدفع الملاك إلى تحريكها، إما تطويرا أو بيعا وإما دفع الرسوم وهو ما سيسرع بضخ هذه الأراضي في السوق العقارية وسيخلق فرصا جديدة في الاستثمار العقاري والتطوير العقاري واسعة الخيارات”.
وقال “هذا يثبت حرص الحكومة على حسم تحديات هذا الملف وتحقيق أثر يضمن مستقبلا عقاريا وإسكانيا مستداما سينعكس على رفاهية المواطن لسنوات طويلة”.
توقع المدير التنفيذي لشركة بصمة للتقييم العقاري عبدالرحمن بن خنين، أن تُسهم هذه الرسوم في الحد من الممارسات الاحتكارية، عبر دفع ملاك الأراضي والعقارات غير المستغلة إلى اتخاذ قرارات تطوير أو بيع، تجنبًا لتحمل التكاليف السنوية.
وقال “تُعد هذه القرارات حافزًا فعّالًا لزيادة المعروض من الأراضي المطوّرة والعقارات المؤجرة، ما ينعكس إيجابًا على التوازن بين العرض والطلب”، مرجحا أن تسهم في تنشيط حركة التطوير العقاري من قِبل المستثمرين الجادين، مع تقليص حجم الأراضي المحتجزة لأغراض المضاربة.
وأشار بن خنين إلى أنه مع دخول مزيد من العقارات الشاغرة إلى سوق الإيجارات، سيؤدي ذلك إلى تنوع الخيارات المتاحة أمام المستأجرين، وبالتالي إمكانية استقرار أسعار الإيجارات، خاصة في المدن التي تعاني ارتفاعا في معدلات الطلب على السكن.
وأكد أن هذه الخطوة تعد جزءًا من سياسة إصلاحية شاملة تهدف إلى بناء سوق عقارية أكثر استدامة وتوازنًا، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 في تحسين جودة الحياة وتيسير تملك المواطنين للسكن المناسب، مبينا أنه على الرغم من أن الآثار قد تظهر تدريجيا، إلا أن التوقعات تشير إلى نتائج إيجابية على المديين المتوسط والطويل.
المستثمر الأجنبي ينظر دائما للتكلفة سواء في الأراضي
بدوره، قال رئيس مجلس إدارة شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري كريم الشافعي، إن المستثمر الأجنبي ينظر دائما للتكلفة سواء في الأراضي أو مواد البناء أو حتى المباني، لذلك هناك حاجة للأرقام بشكل دقيق للدخول في أي مشاريع.
وأضاف “بعض المستثمرين يشترون الأراضي ويحتفظون بها مدة طويلة ليس بهدف التطوير ولكن حتى يرتفع سعرها ومن ثم عرضها للبيع، الأمر الذي يعطل الخطط الحكومية للتنمية”.
وأكد أنه في دول كثيرة يتم التعامل مع هذه الحالات إما باسترداد الأراضي أو فرض رسوم، وكذلك المباني غير المستثمرة فلا داعي لمواصلة البناء وهي لا تؤجر.
القرار نقلة في موازنة العرض للطلب العقاري
وفي تعليق على القرار، قال المستشار والخبير العقاري العبودي بن عبد الله خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن القرار نقلة في موازنة العرض للطلب العقاري، مشيراً إلى أن أبرز ما يميزه هو انتقال النظام من كونه رسوماً ثابتة ومحدودة التأثير وبنسبة 2.5 في المائة إلى أداة تحفيزية وضاغطة أكثر فاعلية مع إمكانية رفع النسبة حتى 10 في المائة، وفقاً لحالة التطوير والاستغلال، وكذلك انضمام العقارات الشاغرة لاستحقاق الرسوم، وتوحيد مراحل الرسوم بما يمنح النظام بعداً أوسع وأشمل في معالجة احتجاز الأصول داخل المدن، بالإضافة إلى ذلك توسيع نطاق الاستخدامات لتشمل جميع الأراضي القابلة للتطوير داخل النطاق العمراني.
ويرى الخبير العقاري أن هذه التعديلات ستسهم في معالجة عدة تحديات، من أبرزها: الاحتكار وتعطيل التنمية الحضرية من خلال احتفاظ البعض بالأراضي والعقارات الشاغرة لعدة سنوات دون تطوير، والارتفاع غير المبرر في أسعار الأراضي نتيجة قلة المعروض المطور، والحد من التشوهات العمرانية الناجمة عن وجود أراضٍ فضاء وسط أحياء مكتملة داخل المدن، وتباطؤ المشاريع السكنية والتجارية بسبب ضعف تحفيز التفعيل العمراني للأراضي.
وأضاف أن التعديلات ستدفع السوق العقارية نحو الزيادة الملحوظة في معروض الأراضي والمشاريع المطورة خلال الفترات المقبلة، وتسهم في الانخفاض التدريجي في أسعار بعض الأراضي البيضاء خاصة داخل المدن الكبرى، وتحفيز المطورين على البناء الفعلي بدلاً من الاحتفاظ السلبي، وكذلك دعم جهود الدولة في تسريع التنمية الحضرية وتوفير حلول سكنية متنوعة، وتعزيز العدالة في استخدام الموارد العقارية بما يخدم الاقتصاد والمجتمع.
ويتوقع الخبير العقاري أن تبدأ الآثار الأولية لتعديلات القرار بالظهور خلال الربع الثالث من عام 2025 خاصة مع انتهاء مهلة التسجيل البالغة 90 يوماً للأراضي البيضاء ومرور عام على العقارات الشاغرة، إلا أن الأثر الأكبر للقرار على الأسعار والمعروض العقاري قد يظهر بشكل أوضح خلال النصف الأول من 2026 تزامناً مع دخول عدد أكبر من العقارات في دائرة التطبيق الفعلي للرسوم.
تغيير سلوك المستثمرين
من جهته، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية خالد المبيض، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الارتفاع الحالي في أسعار العقارات لا يصب في مصلحة أحد سواء للمطورين العقاريين أو المستفيدين النهائيين أو الاقتصاد، بالإضافة إلى ضرره على المستوى الطويل على الاقتصاد والسوق العقارية، لافتاً إلى أن تعديلات نظام رسوم الأراضي البيضاء تعد إيجابية للسوق العقارية، وتأتي في توقيت ممتاز جداً ومناسب لمعالجة التحديات التي تشهدها السوق.
ويرى المبيض أن الهدف الرئيس من تعديلات رسوم الأراضي البيضاء، هو تغيير سلوك المستثمرين في السوق العقارية عبر تحويل أموالهم من تملك أراضي بيضاء لحفظ ثرواتهم إلى دفعهم من خلال تعديلات القرار إلى تطوير هذه الممتلكات وخلق معروض كبير من الوحدات السكنية في السوق العقارية.
وواصل أن القرار سوف ينعش مشاريع التطوير، والتي سوف تشغل معها نحو 150 قطاعاً اقتصادياً، تتحرك بالتوازي مع القطاع العقاري، وهو أمر إيجابي للمنظومة الاقتصادية في المدن المشمولة بنظام رسوم الأراضي البيضاء.
وأكمل المبيض أن التعديلات تضمنت إضافة العقارات الشاغرة، وفرض رسوم جديدة عليها لم تكن موجودة سابقاً في النظام، ويعد ذلك أمراً مهماً جداً، ويخلق حافزاً لملاك الوحدات السكنية التجارية والمطورين العقاريين، بالمحافظة على مستأجر الوحدة السكنية، والحرص على بقائه لعدم شغور العقار، ودخوله ضمن فرض الرسوم، وبالتالي الحد من الممارسات السابقة في ارتفاع أسعار الإيجارات وعدم الاكتراث بالقدرة المادية للمستأجر، كما كان يحدث في السابق.